التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الكوثر

الجزء ٤ · صفحة ٤١٣

إِنَّا أعطيناك الكَوْثَرَ (1)} الكوثر، "فَوعَل"، مِنَ الكثرة، وَهُوَ الخير المفرط فيِ الكثرة، مِنَ العلم والعمل، وشرف الدارين. وقيل: عَن ابن عَبَّاس أَنَّهُ فسَّر «الكوثر»: بالخير الكثير، وقد أعطاه الله سبحانه ما لا غاية لكثرته مِن خير الدارين، ﴿فصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ فَدُمْ عَلَى الصَّلاَة خالصا لوجه الله، خلاف الساهي عنها المرائي فِيهَا، شكرا لإنعامه؛ فإنَّ الصلاة جامعة لأقسام الشكر، ﴿وَانْحَرْ (2)﴾ البُدن التِي [هي] خيار أموال العرب، وتصدَّق عَلَى المحاويج، خلافا لِمَن يدُعُّهم ويمنع عَنْهُم الماعون؛ فالسورة كالمقابَلة للسورة المتقدِّمة، وقد فُسِّرت الصلاة: بصلاة العيد، والنحر بالضحيَّة.

﴿إنَّ شَانِئك﴾ إنَّ مَن أبغضك لبُغضه لك (1)، ﴿هُوَ الأبتر (3)﴾ لاَ أَنتَ، والأبتر مِن خير الدارين؛ كما أنَّ الكوثر هُوَ خير الدارين. والوعد بخير الدارين يعمُّ كُلَّ مَن كَانَ عَلَى طريقته، والوعيد بانقطاع خيرهما يعمُّ كُلَّ مَن عاداه، فلا يُرجى مِنهُ وَلاَ فِيهِ وَلاَ لَهُ خير، بَل كلُّ شرٍّ محيط بِهِ.

فانظر فيِ نظم هَذِهِ السورة الأنيق، وترتيبه الرشيق، مَعَ قِصرها ووجازتها تبصرة، كَيفَ ضمَّنها الله النكت البديعة، حيث بنى الفعل فيِ أَوَّلها عَلَى المبتدإ، ليدلَّ عَلَى الخصوَصِيَّة؛ وجمَعَ ضمير المتكلِّم ليُؤذِن بكبريائه وعظمته؛ وصدَّر الجملة بحرف التأكيد الجاري مَجرى القَسم؛ وأتى بالكوثر محذوف الموصوف، ليكون أدلَّ عَلَى الشباع، والتناول عَلَى طريق الاتِّساع؛ وعقَّب ذَلِكَ بفاء التعقيب، ليكون القيام بالشكر الأوفر مسبّبا عَن الإنعام بالعطاء الأكبر.

(1) - … وَفيِ تفسير البيضاويِّ: «إنَّ مَن أبغضك لبُغضه الله»، ويبدو أَنَّهُ الصواب. انظر: ج4/ ص267.

١٬٥٧٥ / ١٬٥٨٨