65
الجزء ٣ · صفحة ٣٧٦﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ حثهم ﴿ عَلَى الْقِتَالِ ﴾ قتال الكفرة ، أَى أَزل حرضهم وهو الإِشراف على الهلاك بالقتال ، إِذ لو لم يقاتلوا لأَشرفوا عليه ، قال الله D ﴿ حتى تكون حرضا أَو تكون من الهالكين ﴾ والإِزالة من معانى التفعيل كما يقال : قذَّيته أَى أَزلت قذاه ، بتشديد ذال قذيته ، ﴿ إِنْ يَكُن مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُون ﴾ بقوة وشجاعة ﴿ يَغْلِبُوا مِائَتيْنِ ﴾ من الذين كفروا الواحد بعشرة ، ذكر هنا قوله صابرون ولم يذكره فى قوله ﴿ وإِنْ يَكُن مِّنْكُمْ مِائَة ﴾ أَى صابرة ولم يذكر الذين كفروا وذكره فى قوله ﴿ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وذلك احتباك وهو فصاحة عظيمة وهى أَن يذكر فى كل من الكلمتين ما حذف من الآخر ، ولا يحل للواحد الفرار من عشرة رجال كافرين يصبر فيغلبهم ، وله الفرار من أَحد عشر ، واللفظ إِخبار والمراد أَمر ، أَى اثبت يا واحد لعشرة ، أَو إِخبار لفظا ومعنى ، أَى حكم الشرع لزوم ثبوت الواحد للعشرة ، وعلى الوجهين تكون الآية حكما ، والحكم ينسخ فينسخ كون ذلك شرعا بما بعد ، فكان الشرع أَن لا يلزم ثبوت المسلم لثلاثة من الكفار ، وإِنما الخبر الذى لا ينسخ هو مالا حكم فيه ، كما لو كان المعنى أَن الله D أَعطى المؤمن قوة عشرة من الكفار فلا وجه لنسخه إِلا على معنى أَن الله أَزال بعد ذلك تلك القوة وردها إِلى قوة رجلين من الكفار ﴿ بِأَنَّهُمْ قوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ ﴾ لأَنهم قوم لا يفقهون أَمر الدنيا والآخرة فليسوا يقاتلون لدين الله ولا رجاء لثواب الآخرة الدائم فيرغبوا ، ولا يرجون البعث فشحوا على الحياة الدنيا إِذ ليس لهم عندهم إِلا هى ونعيمها فلا يبالغون فى القتال بخلاف من اعتقد السعادة فى الآخرة ويقاتل رغبة فى الهل D ، فتكون الآية إِخبارا بضعف المشركين فلا يخافهم المؤمنون ، واختير أَن المعنى استحقاق الكفرة للقتل لأَنهم لا يفقهون فاقهروهم بالقتل ، وهو متعلق يبغلبوا ، ونسخ ثبوت الواحد للعشرة لما كثر المؤمنون ، وقيل : نسخ بعد مدة قبل كثرتهم ، وتضرعوا إِلى الله فنسخ ، واختار مكى أَن ذلك تخفيف لا نسخ ، وهو رجل أندلسى جاور مكة فنسب إِليها ، وعلى النسخ إِن قاتل واحد عشرة فقتل فلا إِثم عليه لأَنه نسخ الوجوب ، وعلى أَنه تخفيف غير نسخ يأثم ، كذا قيل . قلت : لا إِثم لأَنه خفف له عن الوجوب ولم يحرم عليه مقابلتها ، فإِنه إِذا ترك الوجوب بقى الجواز بقوله : ﴿ الآنَ خَفَّفَ اللُ عَنْكُمْ وَعلِمَ ﴾ لعلم الله تعلق بالشئِ بلا أَول ، قبل وجوده وحال وجوده وبعد عدمه ﴿ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ﴾ حادثا لاعتماد كل على الآخر ، فالضعف قلبى ، وقيل ضعفا فى الأَبدان ، وقيل ضعف البصيرة ، إِذ حدث قوم فى الإِسلام ولم يحسنوه ، وقيل ضعف فى رأى الحرب ، ولم يكن الضعف من قبل فلا يتصف بأَنه علم أَنه موجود بل علم أَنه سيوجد ﴿ فَإِنْ يَكُن مِّنْكُمْ مِّائةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ الواحد باثنين ويجوز له الفرار لثلاثة وإِن زال سلاحه فر ولو لواحد .