تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

65

الجزء ٣ · صفحة ٣٧٧

﴿ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ ﴾ صابرون ﴿ يغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ ﴾ بإِرادته وذلك أَيضا إِخبار بمعنى الأَمر ، أَو حقيقة كما مر ، وقوله ﴿ إِن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ﴾ وقوله ﴿ وإِن يكن منكم مائة صابرة ﴾ يغنى عن قوله : وإِن يكن منكم أَلف يغلبوا أَلفين ، ووجه ذكرهما أَنه واقعة حال ، فإشنه A يبعث السرية وما ينقص عددها عن العشرين ولا تزيد على المائة ، وإِن ذلك دلالة على عدم تفاوت القلة والكثرة ، فإِن العشرين قد لا تغلب المائتين ، ولم يذكر فى جملتى التخفيف قيد الكفر اكتفاء بذكره قبل ، وذكر فى التخفيف بإِذن الله وهو قيد لهما ﴿ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ عن الشهوات والمعاصى وعلى الشدائد فى دين الله بالنصر والتوفيق والثواب ، روى أَن المسلمين ثلاثة آلاف فى غزوة مؤتة صبروا لمائتى أَلف من المشركين : مائة أَلف من الروم ومائة أَلف من المستعربة لخم وجذام ، والأَفضل صبر الواحد لأَحد عشر فصاعدا ، وصبر الواحد لثلاثة فصاعدا ، ولزوم ثبوت الواحد للعشرة يوم بدر ونسخ بعده ، قال المهاجرون : يا ربنا نحن جياع وعدونا شباع . ونحن فى غربة وعدونا فى أَهليهم ، وأُخرجنا من ديارنا وأَموالنا وعدونا فى ديارهم وأَموالهم . وقال الأَنصار : شغلنا بعدونا وأنسينا إِخواننا فنزل التخفيف . والصبر قبل التخفيف وبعده واجب على الحر والعبد . ولما أَخذوا الفداءَ من أَسارى بدر بلا إِذن من الله وإِنما َمرهم الله D بالقتال والقتل لكل من قدر عليه لا بالأَسر ولا بالفداءِ نزل قوله تعالى :

﴿ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ ﴾ من الأَنبياءِ ، ويجوز أن يراد نبينا A فنكر للتعظيم ، ولئلا يواجه بالعتاب ، ويدل له قراءَة أَبى الدرداء وأَبى حيوة « ما كان للنبى » بأَل ، إِلا أَنه يحتمل أَن يكون للاستغراق وعلى وجه الكلية ، أَو للجنس ، والعموم أَولى كما هو ظاهر قراءَة الجمهور ، وقدر بعض لأَصحاب نبى ، أَو لأَصحاب النبى ، لأَن ذلك المنفى لا يصدر عن نبى ، فيجاب بأَنه يخاطب النبى بما فعل قومه كأَنه منهم ﴿ أَنْ يَكُونَ لَهُ ﴾ من أَعدائه ﴿ أَسْرَى ﴾ فضلا عن أَن يطلب الفداءَ أَو يقبله ، جمع أَسير أَى مسلوب القوة ، والأَسر القوة ، أَو مربوط بالأَسر وهو الحبل ، ومن شأن المأخوذ َن يربط به ﴿ حَتَّا يُثخِنَ فِى الأَرْضِ ﴾ يوقع الثخانة فيها عليها بكثرة القتلى كأَنها لكثرتها ثقلت على الأَرض ، أَثخنه المرض أَثقله ، وأَيضا الثخين الغليظ الصلب ، ومن شأنه الثقل ، أَو المعنى حتى يقوى ويشتد ويغلب عدوه فيعز الإِسلام ويذلكا لكفر وأَهله ، فأَثخن للصيرورة ، أَى صار ثخينا ، أَى غليظا بالمبالغة فى قتل الأَعداءِ ، أَو كثرة القتل توجب قوة الرهبة فعبر عنها بسببها وهو الإثخان ، أَو استعمل الثخن فى لازم الغلظة وهو القوة ، أَو شبه المبالغة فى القتل بالثخانة لجامع الشدة فى كل ، وذكر الأَرض للتعظيم .

١٬٣٧٧ / ٦٬٠٩٣