تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

74

الجزء ٣ · صفحة ٣٨٦

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ هم المهاجرون الآخرون بعد الحديبية وقبل الفتح إِذ وضعت الحرب أَوزارها عامين بالصلح الواقع فى الحديبية وكان - قيل - على عشر سنين ، ومات A قبل تمامها ، وانتقض ببعض أَهل مكة بقتل خزاعة وهم فى ذمته A فكان الفتح ، وقيل : المراد من هاجروا بعد هذه الآية ، وقيل : من هاجر بعد غزوة بدر . وفى الصحيحين عنه A : « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية » فمن أَسلم فى موضع ولو فى بريش جاز له المقام فيه إِن عرف دينه ولم يمنع من إِظهاره ، وقيل : لو منع من إِظهاره إِن كان يفعله سرا . والهجرة طبقات ، هجرة إِلى المدينة وأَهلها المهاجرون الأَولون ، وهجرة إِلى الحبشة ثم منها إِلى المدينة وأَهلها أَصحاب الهجرتين ، وهجرة بعد صلح الحديبية وقبل الفتح ، ويجوز أَن يراد هنا المهاجرون الأَولون المذكورون فى قوله تعالى : إِن الذين ، إِلخ ، لأَن ما هنالك لبيان أَن بعضهم وبعض الأَنصار أَولياء بعض ، وما هنا فى بيان أَنهم كاملوا الإِيمان وأَن لهم مغفرة ورزقا كريما ، كما قال ﴿ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ أَى إِيمانا كاملا ، إِلا أَنه لم يقل بأَموالهم وأَنفسهم اكتفاء بذكره أَولا ﴿ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ﴾ عظيمة لذنوبهم ﴿ وَرِزْقٌ ﴾ عظيم فى الجنة ﴿ كَرِيمٌ ﴾ لا نقص فيه ولا زوال ولا تكدر بشئٍ ، وإِن أُريد بهذه الآية المهاجرون الأَولون فالمهاجرون الآخرون فى قوله D :

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ ﴾ بعد المهاجرين الأَولين َو بعد الحديبية وبيعة الرضوان ، والماصدق واحد ﴿ وَهَاجرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ ﴾ بأَموالهم وأَنفسهم ﴿ فَأُولئِك مِنْكُمْ ﴾ أَيها المهاجرون الأَولون والأَنصار ، لهم ما لكم وعليهم ما عليكم من التوارث والمغانم والنصر ، وغير ذلك ، وفى قوله منكم تفضيل للأَولين والأَنصار عليهم لأَنه استلحاق ، فالخلاف فى فضل المهاجرين على الأَنصار أَو الأَنصار على المهاجرين إِنما يتم فى المهاجرين الأَولين ، وأَما المتأَخرون فالأَنصار أَفضل منهم ، وإِن أُريد بقوله D ﴿ من بعد ﴾ بما بعد الهجرة الثانية ، أَو المهاجرين ثانيا ، وقيل : المراد من بعد نزول الآية ، فيكون المعنى والذين يؤمنون من بعد ويهاجرون ويجاهدون وهم أَهل الهجرة الثالثة ، وقيل من بعد بدر ﴿ وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ﴾ فى الميراث والنصر ، أَى الإِرث بالنسب أَولى من الإِرث بالإِسلام والهجرة فهذا ناسخ للإِرث بالإِسلام والهجرة ، ونسخ للإِرث بالمخالفة ، فقيل : أُولو الأَرحام هم من ذكر الله من الورثة بالنسب فى سورة النساءِ ، وقيل : أُولو الأَرحام القرابة الذين لا ذكر لهم فيها ، ولم يوجد واحد منهم كالخال والخالة وبنت الأَخ وبنت العم لمجئ الحديث بأَن الخال وارث من لا وارث له ، وبه نقول نحن وأَبو حنيفة ، وعن ابن عباس : كانوا يتوارثون بالهجرة والإِخاءِ حتى نزلت ﴿ وأُولو الأَرحام بعضهم أَولى ببعض ﴾ أَى فى الإِرث ، وبالأَول قال الشافعى ، وهو أَن المراد من فى سورة النساءِ غير الأَزواج ، وعنه أَن المراد العصبة الذين يرثون ما بقى عمن ذكر فى سورة النساءِ ، واحتج بقوله تعالى ﴿ فِى كِتَابِ اللهِ ﴾ وفسره بحكم الله الذى حكم به فى سورة النساءِ ، ويشكل عليه أَنه لم يذكر هنا ولا فى النساءِ أَن الباقى بعد الفروض للعصبة ، وإِنما يصلح بلا إِشكال إِذا فسروا أَولو الأَرحام بما فى النساءِ غير الأَزواج لا بخصوص العصبة ، مع أَنه لا مانع من كون كتاب الله اللوح المحفوظ أَو القرآن أَو حكم الله لا بخصوص كونه ما فى النساءِ ، وعلى كل حال لنا حجة على إِرث ذوى الأَرحام كالخال والعم للأُم وهو الحديث ، ويقدم عند قوم المعتق على نحو الخال والخالة ، وعكس ابن مسعود وخالفه ابن عباس وسائر الصحابة وهو متعلق بأُولو ، أَو خبر لمحذوف ، أَى ما ذكر ثابت فى كتاب الله ، وكان المهاجر يرثه أَخوه الأَنصارى إِذا لم يكن للمهاجر وارث فى المدينة ولا يرثه وليه الذى لم يهاجر .

١٬٣٨٦ / ٦٬٠٩٣