117
الجزء ٦ · صفحة ١٥٧﴿ فَقُلنا ﴾ نصحاء لآدم ﴿ يا آدمُ إنَّ هذا ﴾ أى الذى لم يسجد لك عدوٌّ لك ولزّوجك أعاد اللام للدلالة على ان عدواته لحواء بالأصلاة ، لا بالتبع له ، ولولا ذلك لقيل لك وزوجك ، بالنصب على المعية ، أو بالجر عطفاً بلا إعادة للجار ، كقوله تعالى : ﴿ تَساءلُونَ به والأرْحَام ﴾ بجر الأرحام ، وعلى أنه لا بد من إعادة الجار فعلة إعادته أيضاً ما ذكر من الدلالة على الأصالة المذكورة ، لأنه يمكن أن يقال احذره أنت وزوجتك ، فإنه عدو لكما ، أو عدو لك وزوجك بالنصب للمبالغة فى : ﴿ اشتعل الرأسُ شيباً ﴾ مع أن التمييز أبداً نكرة ، لأنه يمكن أن يقال اشتعل شبي الرأس ، أو شيب الرأس اشتعل ، واشتعل الرأس شيبة أو بشيب ونحو ذلك ، مما لا تمييز فيه .
وتلك العداوة حسد ، وهو أول من حسد ، وقيل عاداه ، لأنه شيخ جاهل ، وآدم شاب عالم ، والجاهلون لأهل العلم أعداء ، أو لتنافى النار للطين ، ولا يقال إبليس أعلم لقدمه ، وكثرة جاربه ، لأن ذلك ليس على رسوخ منه ، وآدم راسخ ولو قل علمه لأشياء ألا ترى استغفارة عقب الذنب ، وما ذلك إلا لرسوخ معرفته بالله ، ولو قيل له يكون إبليس مكانك فى الجنة لم يمتنع ، ولو ينقص استغفاره ، ورمى أبو أمامة الباهلى ، والحسن أن عقل آدم جميع أولاده .
﴿ فلا يُخرجنَّكُما مِنَ الجنَّة ﴾ لا يؤثر فيكما كيده ، أو لا تأثراً بكيده ﴿ فتَشْقى ﴾ تلحقك متاعب الدنيا ، من مرض وحزن ، وحرارة وبرد ، وجوع وعراء وظمأ ونحوا ذلك ، ومشاق تحصيل المعاش ، وأفرده بالذكر لأنه الأصل ، ولاستلزام شقائه شقاءها لا للفاصلة ، إذ لو قال فتشقيا لتمت ، إلا أن يقال إتمام الفاصلة آخر الفعل أولى وأنسب من إتمامها بضمير كما تمت فى أبى وتضحى ويبلى وغوى ، ومراعاة هذا وجه حسن ، وكذا فى قوله :
﴿ إنَّ لكَ ألاَّ تجُوعَ فيها ولا تَعْرى * وأنَّك لا تَظمْأ فيها ولا تَضْحى ﴾ لا تكون منكشفاً للشمس ، إذ لا يصل من فى الجنة الى جوع أو عطش أو عراء أو بروز للشمس ، ولا شمس فيها ، بل يتنعمون بتلك النعم على حسب خطور ذلك ببالهم ، بدون حضور أضداده ، وجمع الجوع مع العراء لا مع الظمأ ، والظمأ مع الضحو ، لأن الجوع خلو الباطن ، والعرى خلو الظاهر ، والظمأ حرارة الباطن ، والضحو حرارة الظاهر ، والحاصل أنه لا يصيبك ضرر باطن ولا ظاهر ، ولو جمع انتقاء الجوع ، وانتقاء الظمأ لتوهم أنهما نعمة واحدة ، أو قرب التوهم ، وكذا انتقاء الضحو والعرى ، كما قطع امرؤ القيس كوب الجواد عن قوله لخيله كرى كرة ، وقطع تبطن الكاعب عن ترشيف الكاسب فى قوله :
كأنى لم أركب جواداً للذة … ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
ولم أسبا الزق الروى ولم أقل … لخيلى كرى كرة بعد إجفال
وقد يقال جمع الأولين للذة ، والأخيرين للشجاعة ، والآية تفصيل لمضمون بعض قوله تعالى : ﴿ فلا يخرجنَّكما ﴾ الخ ، وبقى كثير لكفاية التمثيل بقليل ، فإن فى الجنة أيضاً نكاحاً وغيره ، مما يلذ ، ولا يصح أنه قال الى فى الجنة ما آكل وأشرب وألبس وأستظل ، فذكر له ما طلب .