123
الجزء ٦ · صفحة ١٦٢﴿ قال ﴾ كأنه قيل هل بقيا فى الجنة إذ تابا فيها فقال قال : ﴿ اهْبِط ﴾ انزلا يا آدم وحواء ﴿ مِنْها ﴾ من الجنَّة الى الدنيا ﴿ جميعاً ﴾ لا يبقى واحد منكما ﴿ بعْضُكم لبعضٍ عدوّ ﴾ حال مقدرة ، والجمع باعتبار ما يتولد منهما ، والتعادى فى الحققة بين أولادهما ، وذلك عكس خطاب اليهود بما فعل آباؤهم ، أو الخطاب فى اهبطا لآدم وإبليس ، وأما حواء فتبع لزوجها ، والخطاب فى اهبطوا لآدم وإبليس وذريتهما ، وهو المتبادر من قوله : ﴿ عدوّ لك ولزوجك ﴾ كأنه قيل كذلك تكون العداوة بين أولاده وأولادك ، وهذا أنسب بأن تفسر العدواة بالتعادى بين أولاد آدم ، لكن لا مانع من أن يراد ذلك أو بين أولاد كل فيما بينهما ، وأولاده وأولاد الآخر إخباراً بأن الدنيا دار التواء ديناً ودُنيا ، لا كالجنة التى كنت فيها ، وقيل الكاف لآدم وإبليس والحية إذت دخل إبليس فى فمها مستخفياً عن الملائكة للوسوسة ، وهو بعيد إذ لا خطاب للحية بإتيان الهدى إليها ، واتباعه والإعراض عنه المذكورين بعد ، والحمل على المجموع خلاف الأصل ، ولم يجر للحية ذكر ، وعلى كل حال دخل إبليس الجنة بعد ما خرج منها ، فصح أن يقال له اهبط منها .
﴿ فإمَّا ﴾ إن الشرطية وما المزيدة للتأكيدة ﴿ يأتينَّكم منِّى هُدًى ﴾ يوحيى أرسله إليكم ، أو كتاب وذلك يعم ، بخلاف ما لو قلنا هدى بنبى إذ لا يبعث الى آدم نبى ، بل هو نبى ، وإنما يصح ذلك لو خص الخطاب بالذرية ﴿ فَمَن اتبَّع هُداى ﴾ مقتضى الظاهر ، فمن اتبعه ، وأظهر وأضاف الى الله تشريفاً وتأكيداً الإيجاب الاتباع ﴿ فَلا يضلُّ ﴾ عن الدين أو عن الصواب أو الرشاد ، لأن معه الهدى منَّا ، وهو الدين والصواب والرشاد ﴿ ولا يَشْقى ﴾ فى الآخرة ، ولا يصح أن يفسر الهدى بالقرآن خاصة ، وأما قول ابن عباس رضى الله عنهما قارئاً للآية : أجار الله تابع القرآن من أن يضل فى الدنيا ، أو يشفى فى الآخرة ، وقوله A : « من ابتع كتاب الله هداه الله من الضلالة فى الدنيا ووقاه سوء الحساب فى الآخرة » فلأن القرآن من جملة الهدى لا لكونه المراد بالهدى ، ألا ترى أن الخطاب للمكلفين مطلقاً لا لهذه الأمة خاصة ، وأما قوله :
﴿ ومن أعْرَض عَنْ ذكْرى ﴾ أى لم يتبعه ، فالذكر فيه عام أيضاً لا يخص القرآن ، فإنه كما يطلق على القرآن قد أطلق فيه على غيره ، وعلى العموم ، وكذا لا تخص الآيات فى قوله : ﴿ أتتك آياتنا ﴾ بآيات القرآن ، بل على العموم وعلى الدلائل ، كما أنه فسر بعضهم ذكرى بهداى لأنه سبب ذكره وعبادته D ، وقيل : لا يضل طريق الجنة فى الآخرة ، وهو فى مقابلة ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ ولا يتعب فى معيشة الدنيا ، وهو مقابل قوله Dّ : ﴿ فإن له معيشة ضنْكاً ﴾ وعليه فقدم حال الآخرة ، لأنها محط رغبة المهتدين ، وما مر أولى لأنه تفسير النبى A ، وابن عباس رضى الله عنهما ، وأجيزا فى الآخرة ، وأجيزا فى الدنيا ، لأن اشقاء بما فيها من الانحراف .