تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

32

الجزء ٧ · صفحة ٣٨٠

﴿ اسْلُك ﴾ أدخل ﴿ يدك ﴾ اليمنى ﴿ فى جَيْبك ﴾ مخرج العنق والرأس من الجبة والقميص وإطلاق الجيب على ما يخاط الى ذلك حقيقة عرفية في مضاب ، وأصله المجاز لعلاقة الجوار ، والمراد فى الآية المخرج المذكور .

﴿ تخرُجْ ﴾ وأخرجها تخرج ﴿ بيضاءَ ﴾ كالشمس تلمع وتغلب الأبصار ﴿ من غَيْر سُوءٍ ﴾ عيب كبرص ، وكدوامها كذلك ، وكتوقع ضر منها بذلك ، ﴿ واضْمُم ﴾ عطف على ألْق بمعنى أنه أمر مطلقاً بضم اليد الى الجناح مطلقا إذا خاف لا بقيد الخوف من العصا ، أو بياض اليد ﴿ إليْك ﴾ الى بدنك ، والمراد جانبه ﴿ جَناحِكَ ﴾ الأيمن وهو اليد اليمنى ، واليدان للإنسان كالجناحين للطائر فى الاستعانة ، وأيضا يتقى بهما أمره بضم يده اليمنى الى ما يليها تحتها من البدن أو الى ما تحت الإبط من الجانب الآخر ، أو أراد بالجناح الجنس ، فالإضافة للجنس ، فشمل اليدين بضم كل واحدة على ما يليها ، أو على ما تحت إبط الأخرى ، أو إحداهما على ما يليها ، والأخرى تحت هذه ، وفى ذلك كله زوال الخوف .

قيل : أو بادخالهما معا فى الجيب بحضرة العدو كفرعون ، إظهاراً بأنه لا تكترث به ، وإذا ضم إليه جناحه زال خوفه من العصا فيقبضها بلا حاجة الى لف يده بشىء ككم قميصه بحضرة عدوه ، وإذا أخرجها بيضاء عقب فعل العصا أبهم العدو بهما والله سبحانه وتعالى يعلمه ما يفعل بعد ﴿ سنعيدها سيرتها الأولى ﴾ أو ضم جناحيه إليه عبارة عن أمره بالتجلد لا ضم اليد على الاستعارة بالكناية ، شبه تجلده بتجلد الطائر عند الخوف ، ورمز إليه بضم الجناح الذى هو فعل الطائر إذا خلى ﴿ من الرَّهْب ﴾ لأجل الخوف إذا جاءك من العصا ، أو فرعون أو غيره .

﴿ فذانك ﴾ اهتزاز العصا ، وبياض اليد ، وهما مذكران ، وإن أشير الى اليد والعصا وهما مؤنثان فالتذكير لتذكير الخبر ﴿ برهانان ﴾ حجتان نيرتان ، أو قاطعتان من البره بمعنى البياض ، أو من البره بمعنى القطع ، والنون زائد ، وأما قولهم برهن بمعنى أتى بالحجة فكلمة مولدة مبنية من الأصل ، وما زيد للإلحاق بالرباعى ، كما يزاد حرف رابع إلحاقاً بدحرج ﴿ من ربِّك الى فرعَوْن وملئه ﴾ متعلقان بنعت واحد ، أى مرسلان من ربك الى فرعون وملئه على الاستمرار بعد ، ولما كان ما فى الآية وقع بغير حضرة فرعون ، احتاج بعض المحققين تقديرا ذهب بهما الى فرعون وملئه ﴿ إنهم ﴾ أى فرعون وملئه ﴿ كانُوا قَوماً فاسقين ﴾ مبالغين فى الخروج عن الحق الدينى والدينوى ، ويقوى تقدير اذهب بقوله :

﴿ قال ربِّ ﴾ يا رب ﴿ إِنِّى قَتلتُ منْهُم نَفْساً فأخافُ أن يقْتُلون ﴾ بها فإنه ولو ناسب قوله : مرسلان الى فرعون وقومه إلا أنه أنسب باذهب ، إذ قد يخبر بالعصا واليد بلا ذهاب ، وأراد موسى بقوله : ﴿ رب إنى ﴾ الخ التضرع الى الله D ، بأنه قد فعل فيهم ما يشتد معه عليه لقاؤهم ، وأن يمده بما يبلغ الرسالة بلا إخلال ، ومن شأن اليهود الكفر حتى زعموا عن التوراة كذبا عليها أنه قال : أرسل غيرى ، فيكون قال كقولهم :

٣٬٣٨٠ / ٦٬٠٩٣