58
الجزء ٨ · صفحة ٢١١قال ابن سيرين ، عن عبيدة السلمانى فى هذه الآية : تستر رأسها ووجهها كله إلا عينها اليسرى ، قال السدى : أو عينها اليمنى ، وهو رواية عن ابن عباس ، وفى أخرى عنه أو عينيها ، وذلك رد على ما فى بعض الكتب ، من أن ذلك فعل الفاسقات ، وأن غيرهن تستر الوجه كله ، ولعله أريد أن الفاسقات فى بلدة من البلدان ، ويفعلن ذلك ، ولم يرد التحريم .
وعن سعيد بن جبير : يرخين الثوب على الوجه كله ، وينظرون أسفل ، وما يبدوا من نساء الجاهلية إلا الوجه ، فأمر الله بستره أيضا ، وأنت خبير بأن الوجه ليس عورة ، قيل : مطلقا ، وقيل : إن لم تكن فيه زينة فليس مرادا بالآية ، إلا أن السنة ستره ، ويجوز النظر إليه بلا شهوة ، الفعل فى يدنين مجزوم المحل فى جواب الأمر ، ومفعول قل محذوف ، ومعناه اذكر أى لهن وجوب الستر يدنين ، أو يدنين اخبار ومعناه الأمر أى أدنين ، وجلابيب مفعول به ليدنى ، ومن صلة فى الإيجاب والمعرفة عند مجيز ذلك ، أو المفعول محذوف منعوت بمن جلابيهن ، أى شيئا من جلابيبهن وهو بعض من كل جلباب .
﴿ ذلك ﴾ الإدناء ﴿ أدنى ﴾ أقرب ﴿ أن يعرفن ﴾ ألى أن يعرفن فلا يقربهن أحد ، كما يقرب أجل الربية الإماء كما قال : ﴿ فَلا يُؤذَيْن ﴾ وذلك إزالة لبعض الشر ، وبعض الشر أهون من بعض ، ولا عذر لهم فى الإماء ، ونهوا عن الزنى ومقدماته مطلقا بالحرائر والإماء ، ويجوز بلا ترفع ولا رئاء أن يلبس العالم ما يميزه بدرّته إذا تشبهت بالحرة ، ورأى أمة مقنعة فضربها فقال : ألقى القناع لا تشبهى بالحرائر .
﴿ وكانَ غُفُوراً ﴾ لمن عصى وتاب ، أو عصى ولم يعتقد الإصرار ، وقد دان بالتوبة ، وذلك فى النظر ، وعدم التستر بعد نزول الآية ﴿ رَحيماً ﴾ للتائب والتائبة ، أو غفوراً رحيماً مطلقاً لمن تاب ، ودخل هؤلاء وغيرهم أو رحيما بعباده إذ رأى فى مصالحهم أمثال هذه الجزئيات والتوبة أربعة أقسام :
الأول : التوبة أن يتوب ويستقيم على العبادة ، ولا يحدث نفسه بالعود إلا ما لا ينفك عنه البشر الى أن مات ، ولو كان ذلك فى آخر عمره ، وصاحبها ذو النفس المطمئنة تبدل سيئته حسنات .
الثانى : أن يتوب ويستقيم على الطاعات ، وكلما فعل ذنبا تاب وتأسف ، ولام نفسه ، وعزم أن لا يعود ، وصاحبها ذو النفس اللوامة ، وفى الحديث : « المؤمن واه - أى ضعيف - بالذنوب رافع - أى بالتوبة » .
الثالث : أن يتوب ويستقيم على الطاعة ، إلا أن نفسه تغلبه فى بعض الذنوب ، يستمر عليه ويندم إذا فعله ، ولا يقهر نفسه بالعزم على عدم العود ، وهو يطمع فى التوبة .
الرابع : أن يتوب ويستقيم ثم يذنب ، ولا يحدث نفسه بالتوبة الى الموت .