معنى الإيمان وأثره
الجزء ٢ · صفحة ١١١عن سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي وابن جريج ومعمر وغيرهم، ونقله أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وغيرهم، وروي بإسناد صحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل. وذكر ابن كثير في تفسيره أن الشافعي وأحمد بن حنبل وأبا عبيدة وغير واحد حكوا الإجماع عليه وهذا هو الإيمان المطلوب شرعا، وهو الذي يترتب عليه الفوز بنعيم الآخرة والنجاة من عقابها. وذلك معنى الفلاح في قوله تعالى: ( قد أفلح المؤمنون)، ولا ينافي ما ذكرنا أنه يقصد بالإيمان تارة الاعتقاد وحده، فإن الاعتقاد هو منشأ العمل كما ذكرت، ومن هنا كان الاقتران بينهما في كثير من الآيات وفيما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم كفاية في الدلالة على حقيقة الإيمان الشرعي المطلوب، من ذلك ما أخرجه الشيخان عن أنس- رضي الله عنه- عن النبيصلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، فإن في هذا الحديث مالا يخفى من كون الإنصاف من النفس للغير من جوهر الإيمان وهو يقتضي استقامة التعايش الاجتماعي بين المؤمنين.
وفي حديث أنس أيضا عند الشيخين: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار"، وفي الصحيح عن أبي هريرة- رضي الله عنه- مرفوعا: " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده"، ورواه عن أنس- رضي الله عنه- في الصحيح مرفوعا بلفظ: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"، ومن البديهي أن المحبة تستلزم متابعة المحبوب في أمره ونهيه، فمحبة الله ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تتحققان إلا بامتثال أمرهما والانتهاء عن نهيهما، وإذا كانت ثمَّ أقوال