التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الغاشية

الجزء ٤ · صفحة ٣٨٣

أفلا ينظُرُون} نظر اعتبار ﴿إِلىَ الإبل كَيفَ خُلقت (17)﴾؟ خلقا دالاًّ عَلَى كمال قدرته وحسن تدبيره، حيث خلقها لِجرِّ الأثقال إِلىَ البلاد النائية، باركة للحمل، منقادة لمن اقتادها، طول الأعناق لتنوء بالأوقار، وترعى كُلَّ نابت، وتحتمل العطش إِلىَ عشر فصاعدا، ليَتأتَّى لها قطع البراري والمفاوز، مَعَ مَا لها من منافع أخر؛ ولذلك خُصَّت بالذكر، لبيان الآيات المثبتة فيِ الحيوانات التِي هِيَ أشرف المركبات وأكبرها صنعا، وَلأَنَّهُ أعجب مَا عند العرب من هَذَا النوع. يروى عَن المفضل أَنَّهُ قَالَ: «عجَّبهم تعالى مِنَ الإبل تحمل وقرها باركة، فيعلمون أنَّ لها صانعا أفردها بذلك، ليعلم من لَهُ لبٌّ أنَّ للأشياء صانعا يخالف بين خلقها، ولو لم يكن لذلك لكانت الدوابُّ وغيرها مِنَ الأجناس عَلَى خلق واحد».

﴿وإلى السَّمَاء كَيفَ رُفِعت (18) وإلى الجبالِ كَيفَ نُصبت (19)﴾ فهي راسخة لاَ تميل؛ ﴿وإلى الأَرْض كَيفَ سُطحت (20)﴾ بُسطت حَتَّى صارت مهادا؛ قيل: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل؟ أو يرفع مثل السَّمَاء؟ أو ينصب مثل الجبال؟ أو يسطح مثل الأَرْض غيري؟ وَالمَعْنَى: أفلا ينظرون إِلىَ أنواع المخلوقات والمركَّبات ليتحقَّقوا كمال قدرة الخالق، فلا يُنكر اقتداره عَلَى البعث؟. ولذلك عقَّب بِهِ أمر المعاد، ورتَّب عليه الأمر بالتذكير، فقال: ﴿فذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذكِّر (21)﴾ إن عليك إِلاَّ البلاغ، ﴿لستَ عَلَيْهِم بِمُسيطِرٍ (22)﴾ بمسلّط، وقد قُرِئَ بالصاد.

﴿إِلاَّ مَن تَولَّى وكَفَر (23)﴾ لأَنَّ من تولىَّ وكفر ﴿فيُعذِّبه الله العذاب الأكبرَ (24)﴾ وَهُوَ عذاب الآخِرَة، يُنبئ عَلَى أَنَّهُ أعظم وأكبر من كُلِّ عذاب فيِ الدُّنْيَا، وإن عَظُم أمره فعذابه فيِ الآخِرَة لاَ يشبهه عذاب فيِ الدُّنْيَا، وثوابه فيِ الآخِرَة لاَ يشبهه ثواب فيِ الدُّنْيَا؛ ﴿إنَّ إلينا إيَّابَهم (25)﴾ رجوعهم؛ ﴿ثُمَّ إنَّ علينا حسابهم (26)﴾.

{{{{

١٬٥٤٥ / ١٬٥٨٨