سورة الفجر
الجزء ٤ · صفحة ٣٨٥فَأَمَّا الإِنسَان} مُتَّصِل بقوله: ﴿إنَّ رَبَّك لَبالمرصاد﴾ كأنَّه قيل: إِنَّهُ لبالمرصاد مِنَ الآخِرَة، فلا يريد مِنْهُ إِلاَّ السعي لها، فَأَمَّا الإِنسَان فلا يهمُّه إِلاَّ الدُّنْيَا ولذَّتها، ﴿إِذَا مَا ابتلاَه ربُّه﴾ اختبره بالغِنى واليُسر، ﴿فَأكرَمَه ونَعَّمَه﴾ بالجاه والمال، ﴿فيَقُول رَبِّي أكرمَنِ (15)﴾ فضَّلني بِمَا أعطاني باستحقاقي، لاَ يرى الكرامة مِنَ الله إِلاَّ بكثرة الحظِّ مِنَ الدُّنْيَا.
﴿وأَمَّا إِذَا مَا ابتلاه فقَدَرَ عليه رِزقه﴾ إِذ (1) التقدير: وَأَمَّا الإِنسَان إِذَا مَا ابتلاه، أي: بالفقر والتقدير ليوازن قسمه، ﴿فَيَقُول: رَبِّي أهاننِ (16)﴾ لقصور نظره، وسوء فكره، فإنَّ التقدير يؤدِّي إِلىَ كرامة الدارين؛ إِذ التوسعة قد تفضي إِلىَ قصد الأعداء (2)، والانهماك فيِ حبِّ الدُّنْيَا؛ ولذلك ذمَّه عَلَى قوليه، وردعه عَنْهُ بقوله: ﴿كلاَّ﴾ (لَعَلَّهُ) كذَّبهما بقوله: ﴿كَلاَّ﴾، يقول: ليس هَذَا بكرامتي، وَلاَ هَذَا بهواني؛ وَلَكِنَّ التكريم من أكرمته بطاعتي، غنيًّا كَانَ أو فقيرا؛ ﴿بَل لاَّ تُكرِمون اليتيم (17) وَلاَ تَحَاضُّون عَلَى طعامِ المسكِينِ (18)﴾ بَل فِعلُهم أسوء من قولهم (3)، وأدلُّ عَلَى تهالكهم بالمال، وَهُوَ أَنَّهُمْ لاَ يكرمون اليتيم بالنفقة والمبرَّة، وَلاَ يَحثُّون أهلهم عَلَى طعام المسكين فضلا عَن غيرهم.
{
(1) - … فيِ الأَصْلِ: «إذا»، وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص255.
(2) - … كذا في تفسير البيضاوي أَيضًا، وَلَعَلَّ الصواب: «الاعتداء به». انظر: المصدر نفسه.
(3) - … فيِ الأَصْلِ: «بل فعلهم أسوأ من فعلهم»، ولا مَعْنَى لهذا التكرار، وصحَّحناه من المصدر نفسه.