تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

5

الجزء ٣ · صفحة ٣٩٥

﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ ﴾ انقضت ، وأَصل الانسلاخ انتزاع الشئ عما لابسه كانسلاخ الجلد عن الشاة شبه تكون الناس من أَول الشهر إِلى تمام نصف الشهر شيئا فشيئا بالدخول فى اللباس حتى يتم لبسه ، وكنى عن ذلك بلازمه وهو الانسلاخ الموضوع للانتزاع . وهو مستعار للتجرد عن الشهر شيئا فشيئا حتى يتم ، والمراد بالأَشهر الحرم شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، وسمى شوال شهرا حراما تغليبا وسهل التخريج على ذلك أَن الانسلاخ جاءَ على آخر الثالثة التى هى شهور حرم ، أَو المراد عشرون من ذى القعدة إِلى تمام عشرة من ربيع الأَول ، أَو عشرون من ذى الحجة إِلى تمام عشرة من ربيع الثانى ، وسمى الكل حرما تغليبا ، أَو كحرمة القتال فيها فى ذلك العام فقط ، وأَل على ذلك كله للعهد منظوراً فيه إِلى قوله أَشهر مع زيادة أَنها حرم ، وقيل : المراد رجب وذو القعدة وذو الحجة ، والمحرم ، وهو الأَنسب بجحسب الظاهر ، لأَنهن المشهورة بالأَشهر الحرم ، ولأَن لفظ النكرة إِذا أُعيد آخر كان غير الأُولى ، وقد زيد هنا قيد الحرم فهن غير المذكورة فى قوله ﴿ فسيحوا فى الأَرض أَربعة أَشهر ﴾ لكن يقتضى بقاء تحريم القتال فى رجل وذى القعدةى وذى الحجة ولامحرم بلا نسخ ، لأَن المفهوم إِذا لم ينسلخن فلا قتل ، كلما كن فلا قتل ، وكلما انسلخن كان القتل . وذلك أَنه لا ناسخ لهذا الاستمرار لو ثبت مع أَنهم اتفقوا إِلا قولا ضعيفا على أَنه يحل القتال فيهن ، فالصواب أَن الأَشهر الحرم هى قوله أَربعة أَشهر ، وهن شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، على ما اختاره بعض ، أَو ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ، فإِذا انسلخن حل القتال أَبدا فيهن وفى غيرهن بعد ، ولا يخفى أَن المراد هذه الأَشهر من هذه السنة خاصة لا هذه الأَشهر فى كل سنة لأَن الآية بعيدة عن هذا ولا يتبادر منها هذا ، أَو الترتيب بالفاء يأبى هذا أَيضا ، ولأَنه مخالف للسياق الذى يقتضى توالى هذه الأَشهر حتى قيل إِنه مخالف للإِجماع على أَن هذه الأَشهر يحل فيها القتال : رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، والحق أَنه لا إِجماع على حل القتال فيها بل قد قيل ببقاءِ حرمته إِلا إِن قاتلوا ، وعلى النسخ يكون النسخ آية السيف التى نسخت العفو والصفح والإِعراض والمسالمة ، وقال ابن حجر : قاتلوا المشركين كافة ، وقيل هما ، وقيل : الناسخ الإِجماع ، ووجهه أَن الإِجماع إِنما يحصل بحجة من القرآن أَو الحديث ولا نعلم بها ، إِلا أَنك قد علمت أَنه لا إِجماع ، ﴿ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ فى حل أَو حرم ، وفى كل زمان أَيضا أَبدا لأَن عموم المكان يوجب عموم الزمان وبعكس ذلك عند الإِطلاق ﴿ وَخُذُوهُمْ ﴾ ائسروهم للاسترقاق ، أَو لتروا فيهم رأيكم ، وأَما الفداء فجاء بعد الإِثخان ، وقيل : لا تسترق العرب ، كما لا تؤخذ منهم جزية ، وللإِمام قتل الأَسرى ﴿ وَاحْصُرُوهُمْ ﴾ عن أَن يتصرفوا فى البلاد لتجر أَو غيره ، وعن المسجد الحرام ، وفى قرية إِن تحصنوا فيها ﴿ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾ فى كل موضع رصد ، أَى موضع مراقبة ، وهو موضع سلوكهم ليلا ينبسطوا فى البلاد فتضيق صدورهم فيسلموا ، ونصب كل على الظرفية لاقعدوا ، وفيه دليل جواز نصب اسم المكان الميمى بغير ما يوافقه لفظا ومعنى لأَن نصب كل على الظرفية فرع نصب مرصد الذى هو اسم مكان ميمى عليها ، وقال الأَخفش منصوب على تقدير على ، وضعفوه ، ومثل على فى وهى أَولى من على إِذ هى للظرفية ولعل داعيه لذلك عدم الموافقة المذكورة ، وقيل : يجوز لموافقة المعنى ولو اختلف اللفظ ، فإِن القعود والرصد من معنى واحد وهو قول حسن ، تدل له الآية ، نحو قعدت مجلس عمرو ، وتلك الأَوامر للإِباحة ، ولا يجوز الخروج عن جميعها ، اللهم إِلا بالفداءِ أضو الإِطلاق بحسب نظر الإِمام بعد نزول جوازهما ﴿ فَإِنْ تَابُوا ﴾ من الإِشراك إِلى التوحيد ، ﴿ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ وصاموا رمضان وأَدوا الفرائض .

١٬٣٩٥ / ٦٬٠٩٣