تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

18

الجزء ٣ · صفحة ٤٠٩

﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مسَاجِدَ اللهِ ﴾ المسجد الحرام ، أَو هو وغيره ، وذلك بالصلاة والقراءَة والعلم ، والتفريش بالحصير والحصباء والمصابيح وترك الكلام الدنيوى وما لم تبن له وغير ذلك مما لم يكن على عهد رسول الله A . . وعمارته بالمصابيح والحصير وما كان على عهده ، فالآية إِذن فى كل ما هو عمارة شرعية ، ومن ذلك تفريشه بما أَخرجت الأَرض كالحصر وثياب القطن ولا يجوز الصوف ، وكرهته الحنفية ، ومن عمارته إِخراج القمامة ، قال A : « إِخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين » ، وقال : « من بنى لله مسجدا ولو كمساجد الطرق بنى الله له بيتا فى الجنة » وقال : « الغدو والرواح إِلى المسجد جهاد فى سبيل الله » وقال : « إِذا رأَيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإِيمان » ، وقرأَ الآية . . وقال : « من أَسرج مصباحا فى المسجد لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام ضوءه » . ﴿ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ ﴾ إِنما يليق بعمارتها من اتصف بتلك الصفات ، ويؤذن له شرعا ، وأَما المشركون فلا حتى يوحدوا الله D ، أَو إِنما تعتبر عمارة من اتصف بها ، وعمارة غيره كأَن لم تكن بل تخريب لم يأذن الله به ، وأَجازت الحنفية دخول المشرك المسجد ، وكرهته بالمالكية والحنابلة ، وحرمه أَصحابنا ، ولو أَوصى مشرك لمسجد لم تقبل وصيته عند الحنفية ، وتنفذ عندنا ، وباقى الصفات داخل فى قوله « من آمن بالله واليوم الآخر » لأَن الإِيمان به يستدعى ترك المحرمات وفعل الطاعات ، وخص الإِيمان باليوم الآخر بالذكر لأَن قريشا أَنكروا البعث وإِقام الصلاة وإِيتاءِ الزكاة لأَنهما من الأعمال البدنية ، ويشير بهما إِلى باقى الأَعمال ولأَنهما قد يراد بهما جميع العبادات ، ولم يذكر رسول الله A لأَن ذكر الله D يستتبعه حتى أنه يذكر حيث ذكر الله كما فى الأَذان والإِقامة والشهادة ، وأَيضا الصلاة تكون بالأَذان والإِقامة والتشهد ، ذكر له لأَنه A يذكر فيهن ، وأيضا الصلاة والزكاة أَتى بهما A ، فإِنما يتعلمان من جهته ، قال سلمان رضى الله عنه : قال رسول الله A : « من توضأَ فى بيته فأَحسن الوضوءَ ثم أَتى إِلى المسجد فهو زائر لله تعالى ، وحق على المزور أَن يكرم زائره » ، رواه الطبرانى ، ومن عمارته قراءَة القرآن فيه جماعة ، وهو أَفضل ما يعمر به ، وتعليم العلم والتعلم فيه ، ويطهر عن شعر الكذب والفحش ، ويجوز قراءَة دواوين الشعراءِ بقصد تعلم العربية لا بغناء ، وينبغى تجنب شعر الفحش إِلا بإِظهار تقبيحه وخفض الصوت به ، ولا إِشكال فى ذكر الزكاة فى مقام عمارة المساجد لأَن المراد بذكرها بيان أَن من لا يؤتيها لا تعتبر عمارته ، إِذ ترك ركنا من الإِسلام ﴿ فَعَسَى أُولَئِك أَنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ ﴾ إِلى الجنة ، ذكره بلفظ الترجى المصروف للخلق لأَنهم لا يدرون بم يختم لهم ، وزجرا لأَن يقطعوا بتحقيق أَعمالهم وتوحيدهم لإِمكان أَن يختل بما لم يتفطن له وقطعا لأَطماع المشركين عن كون ما هم عليه اهتداء ، وعن الانتفاع بأَعمالهم ، وزجرا للمؤمنين أَن يأمنوا مكر الله بأَعمالهم ، وقد كان حالهم عند الله دائرا بين عسى كهذه الآية ، ولعل كقوله تعالى :

١٬٤٠٩ / ٦٬٠٩٣