26
الجزء ٣ · صفحة ٤١٨﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ ﴾ رحمته وطمأنينته بمشاهدة أَمارة النصر فى شأن من لم يهرب ومشاهدة الملائكة فى شأنه A ، واستحضار أَن وعد الله حق فى حق المنهزمين ، سماها سكينته لأَنهم يسكنون بها ويأْنون ، وهى سبب للسكون وزوال الاضطراب والخوف عن المؤمنين ، وبالنسبة إِليه A السكينة منع عروض الخوف ﴿ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أَعاد على بياناً للفرق بين حال رسول الله A وحال المؤمنين فإِنه لم يضطرب ولم يقلق فإِنزال السكينة عليه إِبقاء على أَمنه . وعلى المؤمنين إِزالة خوفهم واضطرابهم ورجوعهم من الانهزام ، والمؤمنون من بقوا معه ومن بعد عنه ومن فر . وقيل : المراد بالمؤمنين الذين بقوا معه ، وإِعادة على لما فيهم من خوف أَو لعقوبة إِنزال السكينة فيهم . والمراد إِنزالها على المؤمنين . وذكر الرسول للتبرك . ولما رجعوا للقتال أَعانتهم الملائكة كما قال D ﴿ وَأَنْزَلَ جُنُودًا ﴾ ملائكة ﴿ لَمْ تَرَوْهَا ﴾ بأَبصاركم ، ورآها المشركون ليذلوا وحجب الله عنها أَبصاركم لئلا تتكلوا عليها . وهى خمسة آلاف ﴿ يمددكم ربكم بخمسة آلاف ﴾ قاله سعيد بن جبير ، ولعله قياس على يوم بدر ، وقيل ثمانية آلاف ﴿ أَلن يكفيكم أَن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف ﴾ فالخمسة والثلاثة ثمانية . وقيل ستة عشر أَلفاً . قال سعيد بن المسيب : حدثنى رجل من المشركين أَسلم : إِنا سقنا المسلمين ولم يمكثوا حلب شاة ، لما انتهينا إِلى صاحب البغلة البيضاء تلقانا رجال بيض الوجوه ، فقالوا : شاهت الوجوه ، ارجعوا فرجعنا ، فركبوا أَكتافنا . قال البراء بن عازب : عدد العسكرين عسكر المؤمنين اثنا عشر أَلفاً ، وعدد الكفار أَربعة آلاف ، والذى لا إِله إِلا هو ما ولى رسول الله A قط . ورأَيته وأَبو سفيان آخذ بركابه والعباس آخذ بلجام بغلته دلدول ، يقول : أَنا النبى لا كذب ، أَنا ابن عبد المطلب . ويركض نحو العدو ، وما مر آنفاً عن سعيد بن المسيب يدل على أَن الملائكة قاتلوا يوم حنين ، بل روى عنهم أَنهم قاتلوا . وقيل : ما قاتلوا بل أَرعبوا المشركين وأَلقوا فى قلوب المؤمنين الخواطر المحسنة ، وصححوا أَن الملائكة لم تقاتل إِلا يوم بدر . وعن شيبة بن عثمان : استدبرت رسول الله A يوم حنين أَريد قتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن أَبى طلحة قتلا يوم أَحد فأَطلعه الله D على ما فى نفسى فالتفت إِلى فضرب فى صدرى فقال : « أَعيذك بالله يا شيبة » ، فارتعدت فرائصى فنظرت إِليه وهو أَحب إِلى من سمعى وبصرى ، فقلت : أَشهد أَنك رسول الله ، قد أَطلعك الله تعالى على ما فى نفسى ، ولما هزم المشركون بوادى حنين أَدبروا أَو نزلوا بأَوطاس ، وبها عيالهم وأَموالهم وبد ساقوها معهم ليشتدوا فى القتال ، أَرسل أَبا عامر الأَشعرى على جيش إِليهم وقاتلوهم ، وهرب أَميرهم مالك بن غوث إِلى الطائف وتحصن فيه ، وأَخذوا ماله ومال غيره وأَسروا ستة آلاف ، وقتل فى ذلك أَمير المؤمنين أَبو عامر رضى الله عنه ، وحاصر A الطائف بقية شوال ، ولما دخل ذو العقدة ارتحل عنهم ، وعمائم الملائكة يوم حنين عمائم حمر مرخاة بين أَكتافهم ﴿ وَعَذَّبَ الِّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بالقتل من المسلمين ، قيل : ومن الملائكة .