تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

34

الجزء ٣ · صفحة ٤٣٣

سورة التوبة بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ناداهم تحذيرا عن فعل الرهبان والأَحبار من أَكل المال بالباطل ، وتعجيبا من صدهم عن سبيل الله وعدم اتباعهم لكتبهم ، فإياكم ومخالفة كتابكم القرآن ، عاب أَتباعهم باتخاذهم أربابا ، وفيه عيب قبولهم اتخاذ الأَتباع ، وعابهم يأَكل المال باطلاً وبالصد ، وعليهم بالحرص على المال فى قوله ﴿ إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارش وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾ وبالحرص على الجاه فى قوله ﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ﴾ يعرضون عن الحق من القرآن وغيره ، ليبقوا فى مراتبهم محترمين آكلين لأَموال غيرهم ، أَو يمنعون غيرهم عن الحق بإلقاء الشبه والخديعة ليبقوا أتباعا لهم ، منتفعين باستخدامهم وأَموالهم ، ومعنى أَكل أَموال الناس بالباطل ، أَخذها بتحريف آيات التوراة والإِنجيل فى وصفه A ، وفى بعض الأَحكام وبكتابة من عندهم مع قولهم أَنها من الله جل وعز ، وبالرشوة فى الحكم لا خصوص أَكها فى البطن ، إلا أَنه خص بالذكر لأَنه المقصود الأَعظم فى المال ، والأَكل سبب للأَخذ والتملك وملزوم لهما ، ويجوز العكس ، وهو أَن الأَخذ والتملك مسببان للأَكل ولا زمان له ، أَو المراد بالأَموال الأَطعمة ، أو الأَكل استعارة للأَخذ ، شبه مبالغتهم فى الأَخذ بلا تمييز للباطل منه ، بالمبالغة فى الأَكل بلا تمييز طعام من طعام لشدة الجوع ، لا يقال ببرودة هذه الاستعارة لأنه لا ذكر فى الآية للمبالغة ، لأَنا نقول ذكرت بذكر الباطل ، وليس معنى كثيراً أَكثر بحسب اللغة ، بل يعم النصف وأَكثر وأَقل ، ولو كان الواقع فى الصد والأَكل هو أَكثرهم ، وقل من لم يفعل ذلك منهم على عهده A أَو قبله . ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾ من الأَحبار أَو من أَهل الكتاب أَو من المؤمنين أَو من الكل ، وهو أَولى ، وخص الذهب والفضة بالذكر لأَنهما أَعظم . قيل : ولأَنهما الأَصل الغالب فى الأَموال ، وإلا فحكم النحاس المضروب سكة حكمها ، وكذا كل مال تلزم فيه الزكاة أَو النفقة ولا تخرج ، روى أَبو داود عن ابن عباس أَنه لما نزلت الآية كبرت على المسلمين ، فقال عمر : أَنا أُفرج عنكم ، فانطلق فقال : يا رسول الله ، إنه كبر على أَصحابك هذه الآية ، فقال : إِن الله لم يفرض الزكاة إلا لتطييب ما بقى من أَموالكم ، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم ، فكبر عمر ، ثم قال : أَلاَ أُخبرك بخير ما يكنز المرءُ؟ المرأَة الصالحة إِذا نظر إليها سرته ، وإِذا أَمرها أطاعته ، وإِذا غاب عنها حفظته ، وروى الترمذى عن ثوبان : لما نزلت ﴿ والذين يكنزون ﴾ كنا مع رسول الله A فى بعض أَسفاره ، فقال بعض أَصحابه نزلت فى الذهب والفضة ، فلو علمنا أَى المال خير اتخذناه ، فقال رسول الله A :

١٬٤٣٣ / ٦٬٠٩٣