69
الجزء ٥ · صفحة ١٢٨﴿ ثُمَّ كُلِى مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾ التى تشتهيها حلوة ومرة النوار والأوراق ، ويأتى عسلها كله حلوا ، وأل للاستغراق العرفى ، تقول : جمع الأمير العلماء والصاغة ، تريد ما يتعارف له منهم ، لا علماء الدنيا وصاغتها كلهم ، وليس المراد أنها تأكل من تمر الدنيا كلها ، لأن الأمر هنا للتخلية والإباحة بمعنى كلى مما شئت ، كما قيل : المراد تمرة تشتهيها ، وقيل : تأكل النوار ، ولا يخفى أن النوار تمرة تولدت من الشجر إلا أنه غير معروف ، وكذلك لا يعرف أن الأوراق ثمرات ، فالمراد بالثمرات الشجر ، وذكر المعرى أكلها من النوار فى قوله :
والنحل يجنى المر من زهور الرجا … فيكون شهدا فى طريق رضابه
ويكون للنحل أيضا بيوت فى كوى الحيطان ، وفى بيوت الناس ، وما عرف من الشجر وغير ذلك ، ولا حصر فى الآية ، ومن فى المواضع الأربعة للابتداء لأن معنى اتخذى حصِّلى وكلى إلخ .
﴿ فَاسْلُكِى ﴾ ادخلى بفتح الهمزة وكسر الخاء ما أكلت من الثمرات .
﴿ سُبُلَ رَبِّكِ ﴾ طرق ربك التى خلقها طرقا للغذاء ، وهى الأجواف والعروق التى يجعل فيها المرء وغيره عسلا ، لأن لها عملا يبنى الله عليه ذلك ، فلا يشكل بأن لا اختيار لها فى خلق الله تعالى ذلك ، أو طرق ربك التى جعلها الله طريقا لطلب المرعى ، ولكن هذا يفسر له قوله D : ﴿ ثم كلى ﴾ بمعنى ثم اقصدى أو طرق ربك التى ألهمك فى عمل العسل ، تخرج العسل من فيها فى مشمع من بيوتها ، أو طرق ربك فى الرجوع إلى بيوتك لا تضل عنها ، ولو بعد مرعاها بجذب ما قرب منها ، أو غير ذلك ، وأضاف السبل التى لله كأنه خالقها وخالق المرعى لها ، واسلك على الأول متعدٍّ ، والفاء للعطف فى الوجه الأول ، وعلى غيره فى جواب الشرط أى إذا أكلتها فاسلكى .
﴿ ذُلُلاً ﴾ جمع ذلول حال من سبل بمعنى حال كونها غير متوعرة ، لا تسر عليها ، أو من ياء اسلكى بمعنى اسلكى حال كونك منقادة لما قضى الله منك لا تتخلفين عنه ، أو لما أراد أهلك كنقلك من موضع لآخر ، فإنها لا تتعاصى أو لما أراد يعسوبك فإنه يستعمل بعضها فى عمل الشمع ، وبعضا فى عمل العسل ، وبعضا فى سقى الماء وسبعة فى البيت ، وبعضا فى بناء البيوت أو لذلك كله .
﴿ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ ﴾ مما يشرب ولا يعتاد أن يقال أكلت الشراب .
﴿ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾ مستأنف على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، إذ لم يقل يخرج من بطونك يخرج العسل من بطونها على طريق أفواهها كأنه لعاب ، كما قال الشاعر :
تقول هذا مجاج النحل تمدحه … وإن ذممت تقول فئ الزنابير
وقيل من أدبارها كما قال علىّ : أشرف لباس ابن آدم لعاب دودة ، وأشرف شرابه رجيع نحل ومنه : أما العسل فونيم ذباب ، والونيم ما يخرج من أسفل الذباب ، ويقال : إن سليمان والإسكندر وأرسطو صنعوا لهما بيوتًا من زجاج لينظروا كيف تصنع ، ومم يخرج فلم تضع العسل حتى لطخت الزجاج بالطبن ، فلا تُشاهد ، وجعل الله العسل مستحيلا من نبات حامض ومر وحار ومالح وحشائش ضارة ، وغير ذلك مختلفًا بصفرة وحمرة وبياض ، باختلاف سنها أو الفصول ، أو باختلاف ما تأكل من النوار ، ولا دليل غير الاستقراء على ما قيل : إن الأبيض لفتيتها ، والأصفر لكهلها ، والأحمر لسنها ، وهى القدرة على ترتيبها ، وتنكير شفاء للتعظيم ، أو للتعبيض كما تقول : جاء رجال بالتنكير أى جماعة منهم ، أولهما بمعنى بعض عظيم من الشفاء .