66
الجزء ٥ · صفحة ١٢٤﴿ وإِنَّ لَكُمْ فِى الأَنْعَامِ لَعِبْرَةٌ ﴾ انتِقالا من جهل إِلى علم ، والعبرة العبور وأصله المشى فى الماء من جانب إِلى جانب ، أو على نحو فنظرة مجاز فى غير ذلك ، وقيل حقيقة فى الكل ، ولا شك أنه ليس فى الأنعام نفس انتقال الناس إلى العلم إلا توسعا ، أو على التجريد البديعى ، وليس فى الأنعام عبرة ، بل هى نفسها عبرة ، فبولغ فى ذلك حتى ولد منها ما هو عبرة هذا كله قبل قوله :
﴿ نُسْقِيكُمْ ﴾ إِلخ ، ولك أن تقول أطلق المسبب وهو العبور على سببه ، وهو ما به العبور ، وهو السقى من لبن فيها ، من بين فرث ودم ، فقوله : نسقيكم إِلخ مستأنف للبيان كأنه قيل : ما هى؟ فقال : نسقيكم أو بيان للنكرة بالمعرفة التى هى مصدر مؤول نسقيكم على تقدير حرف المصدر ، الذى حذف ورفع الفعل بعد حذفه ، أى سقيًا لكم أو ينزل مرفوعًا منزلة الاسم كما هو فى قول تسمع بالمسيدى إلخ ، وما ذكرته من الإطلاق مجاز فى الأصل ، وهو حقيقة عرفية فى اللغة لا حقيقة فى أَصل اللغة .
﴿ مِمَّا فِى بُطُونِهِ ﴾ أَى بطون الأنعام ، وذكر ضميره ، وأفرد لأنه اسم جمع كرهط ، وما كذلك يذكر باعتبار اللفظ ، ويؤنث باعتبار المعنى كما فى ﴿ قد أفلح ﴾ ولو كان جمعا كما هو قول لتعين التأنيث ، هكذا مما فى بطونها ، وقيل : ذكر باعتبار ما ذكر على أنه جمع نعم ، وقيل : باعتبار معنى البعض ، وهو الإناث فإِن ذكورها لا لبن لها ، أو باعتبار الواحد فإن العبرة فى كل واحد على حدة ، وهذا الواحد الحيوان الذى هو أنثى من الأنعام ، والذى فى كتاب سيبويه أن الأنعام اسم مارد على وزن أفعال كأخلاق وأسمال للثوب البالى ، وأكياس للثوب المخصوص الذى غزل غزله مرتين ، وفى المثل : عليك بالثوب الأكباش ، فإنه من ثياب الأكياس وأعشار لبرمة مركبة من حجارة ، وقال الكسائى : أفرد لتأويل ما ذكر ، وذكر بعذ أن جمع غير العاقل نحو أفراده وتذكيره بتأويل الجمع وتأنيثه بتأويل الجماعة .
﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ ﴾ من الأولى للتبعيض ، لأن اللبن بعض ما فى بطنها ، وإن جعلت للابتداء كالثانية ، فالثانية ومدخولها بدل اشتمال من الأولى ، ومدخولها والرابط محذوف أى من فرث ودم فيه .
﴿ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشّارِبِينَ ﴾ فلا يختنق أحد باللبن ، ولو اختنق لم يشكل ، لأنه فى الجملة سائغ ، والفرث ما أكلته الدابة ، وهضم ما دام فى البطن ، وإذا خرج فروث ، وقبل الخروج أوث ، بمجاز الأول وبعده فرث بمجاز ما كان عليه الشئ ، ومن للابتداء متعلق بنسقى ، ولبنًا مفعول ثان لنسقى ، ومعنى خالصاً لا يخالطه بعض فرث أو بعض دم بنفسه ، أو لونه أو ريحه أو طعمه ، مع أنه بينهما ، ولا شئ من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه ، وإن وجد فيه الدم غالبًا نجس البس سبل شقيق عن الإخلاص فقال تمييز العمل من العيوب ، كتمييز اللبن من بين فرث ودم ، ومعنى سائغًا سهل المرور فى الحلق ، وإذا هضم الطعام فصافية يذهب إلى الكبد ، والكثيف ينزل إلى الأمعاء ، وما جبذ إلى الكبد يصير ماء بهضم ثان ، ويخلط بصفراء تذهب إِلى المرارة ، وبسوداء ذهب إِلى الطحال ، وبزيادة المائية تذهب إلى الكلية ، ومنها إلى المثانة .