تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

74

الجزء ٥ · صفحة ١٣٥

﴿ فَلاَ تَضْرِبُوا للهِ الأَمْثَالَ ﴾ إذا كان الأمر كذلك ، فلا تضربوا ، أو ولا تضربوا إلخ ، على أن الفاء بمعنى الواو ، وذلك لأن الأصنام وإياهم عاجزون لا تجعلوا لله شركاء تقيسونها عليه ، وتمثلونها به فى الألوهية والعبادة ، وذلك استعارة تمثيلية ، لأن ضرب المثل له تعالى الإشراك به ، والتشبيه به ، والمشرك المشبه له بغيره بمنزلة ضارب المثل إذ يشبه صفة بصفة ، وذاتًا بذات .

﴿ إِن اللهَ يَعْلَمُ ﴾ فساد ما زعموا ، من أن عبادة الأصنام أشد تعظيما لله سبحانه ، لأنها عبيده ، وأل فى الأمثال للحقيقة ، فشمل الفرد والمتعدد ، فلا يفهم أن المثل الواحد أو الاثنين من الجائز ، وكان بصيغة الجمع لأنه الواقع منهم ولا مفهوم له ، وللتشنيع عليهم بأنهم جعلوا أندادًا متعددة لمن لا يمكن أن يكون له واحد .

﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ قبح ضرب الأمثال ، وامتناع صحته ، فإن المالك الرازق هو الذى تحق له العبادة ، وعبادة عبيده إفساد لنعمة المنعم ، فلو أنتم عليكم سلطان فصرتم تغفلون عن حقه وخدمته ، واشتغلتم بعبادة حمارة لَبَان لكل ذى رأى فساد ذلك ، أو أن الله يعلم كنه الأشياء ، وأنتم لا تعلمونه ، فهو عالم بكنه إشراككم ، وكنه عقابه دونكم ، أو يعلم ضرب الأمثال وأنتم لا تعلمونه ، وإنما يصح ضرب الأمثال إذا كان مثل ما فى قوله D :

﴿ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ﴾ وإنما يضرب المثل العالم للجاهل ليتعلم ، وهذا تعليم لهم كيف يضربون الأمثال ، فيصيمون ولا يخطئون ، والأصنام كالعبد المملوك العاجز عن أن يملك مالا ، ويتصرف فيه ، بخلاف الحر المالك للأموال الذى لا حجر عليه فى المال ، ينفق كما يشاء ، والله جل وعلا هو المالك للأشياء : الأموال وغيرها ، للتصرف فيها بالإنفاق كيف يشاء وقال : مملوكا ، تحرزاً عن الحر لأنه أيضًا عبد الله ، وقيد العبد بأنه لا يقدر على شئ تحرزًا عن المأذون فى التجر ، فقد يصرف فى المال بلا إذن ، أو بإذن ، وعن المسرح ببطنه ، وعن المحمول رئيسا على سائر العبيد ، أو على العيال .

وأما المكاتب ، فحر عندنا ، ويناسب قوله : ﴿ عبدا مملوكا . . ﴾ الخ أن تجعل من فكرة موصوفة أكثر مناسبة فيه إذا جعلناها اسمًا موصولا عاما ، واختلف فيما يعطى العبد لا لعمله ، ولا للأجل سيده ، فقيل : هو لسيده لقوله تعالى : ﴿ ا يقدر على شئ ﴾ وهو مشهور المذهب ، وعليه الشافعى ، واستظهره الزمخشرى ، ولا يصح طلاقه إلا بإذن سيده أولا أو إجازته بعد وقوعه ، وإِن كان سيده امرأة وكلت رجلا يطلق عنه أو يجيزه ، وقيل : ما يعطى العبد له ، لأن القيد إنما هو لإمكان أن يملك ، وبه قال مالك وهو ظاهر الآية ، لأنه أثبت له العجز بقوله مملوكا ونفى القدرة العارضة بتمليك السيد بقوله : لا يقدر على شئ ، وليس المعنى القدرة على التصرف ، لأن مقابله : ومن رزقناه منا رزقا حسنًا .

٢٬١٣٥ / ٦٬٠٩٣