92
الجزء ٥ · صفحة ١٥٥﴿ وَلاَ تَكُونَوا كَالَّتِى نَقَضَتْ ﴾ فكت ﴿ غَزْلَهَا ﴾ مغزولها ﴿ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ﴾ شدة المغزول وإتقانه ﴿ أَنْكَاثًا ﴾ أقسامًا منكوئة حال مقارنة ، أو مفعول مطلق بمعنى نقضا أو مفعول ثان لتضمن نقضت معنى صيرته ، امرأة حمقاء ، من قريش اسمها ريطة بنت سعد بن تميم ، اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل الأصبع ، وفلكة عظيمة على قدر ذلك تغزل هى وجواريها من الغداة إِلى الطهى ، ثم تأمر عن فينقضن ما غزلن ، وقيل امرأة اسمها ريطة بنت عمرو المرية ، تلقب الحفراء ، وكلتاهما تسمى خرقاء مكة .
وأخرج ابن حاتم عن أبى بكر بن حفص ، أن سعيدة الأسدية مجنونة تجمع الشعر والليف ، فنزلت الآية ، وذكر ابن مردويه ، عن ابن عطاء أنها شكت جنونها إلى رسول الله A فقال : « إن شئتِ دعوت الله يعافك ، وإن شئتِ اصبرى تدخلى الجنة » ، فاختارت الصبر والجنة ، وذكر عطاء أن ابن عباس أراه إياها .
وقيل ليست الآية فى امرأة مخصوصة ، بل مطلق من تفعل ذلك ، ومن ذلك نساء نجد ، تنقض إحداهن غزلها وتنقشه فتغزله بالصوف ، وجملة قوله :
﴿ تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ خبر ثان لتكون ، أو حال من اسمه أو من المستتر فى كالتى ، ولا حاجة إِلى تقدير : أتتخذون بالاستفهام الإنكارى على الاستئناف ، وأَيضا يصح الإنكار بلا همز كما تعيب على أحد وتذمه بذكر فعله الخسيس ، ودخلا فساداً وغشًا فى محالفتكم أن تحالفوا قومًا ، فإذا رأيتم أعز منهم أو أكثر نقضتم المحالفة وحالفتم ، الأعزّاء والأكثر .
﴿ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ مِنْ أُمَّةٍ ﴾ أكثر من أمة أى بأن تكون . أو لأن تكون متعلق بتتخذون ، أو يقدر محلفة أن تكون ، أو طمع أن تكون وأما بأن تنقضوها لأن تكون ، فيضعف لمزيد الحذف ، فلا يقدر القرآن به ، والمعنى بأن تحالفوا الأمة الأكثر عدداً ومالا أو عزاً ، أو تعذروا بالأولى وإنما يقرهم الله على المحالفة التى فى المحافظة التى على الحقوق ، وهى ضمير فصل ، ولو كان اسمها نكرة ، هذا مذهب الكوفيين ويجوز كونها بلا خبر .
﴿ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ﴾ يختبركم ﴿ اللهُ ﴾ ويكلفكم ﴿ بِه ﴾ بالإيفاء بالعهد ، أو بالأمر بالإيفاء ، أو بكون الأمة أربى ، أو بالرّبُوّ ، واختار بعضهم عوده إِلى الكون المذكور ، والمعنى يخبركم أتبقون أيها المؤمنون على بيعة الرسول ، وعلى ما أنتم عليه ، أو تنقضون ، وذلك لكثرة قريش ، وقلة المؤمنين كعادة قريش فى الجاهلية ، ينقضون الحلف إذا رأوا كثرة وعزة فى آخرين .
﴿ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ من التصديق والتكذيب ، والبقاء على العهد ، ونقضه فيجازيكم على ذلك .