تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

77

الجزء ٥ · صفحة ١٣٨

﴿ وَللهِ غَيْبُ ﴾ أى علم غائب ﴿ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ لا يعلمه سواه نجس ولا بدليل يؤخذ من محسوس أو من عقل ، ودخل فى ذلك قيام الساعة ، وفسر به .

﴿ وَمَا أُمْرُ السَّاعَةِ ﴾ مع عظم أمرها ، والمماراة فيها ﴿ إِلاّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ ما قيامها فى السرعة والسهولة إلا كنظرة بعين ، وفسر أيضًا بقوله تعالى : ﴿ وعنده علم الساعة وينزل الغيث ﴾ الآية ، والتعميم أولى ، وإن شئت فلا تقدر علم غائب السماوات والأرض ، فيكون المعنى لله غائبهما عن علوم المخلوقين ، وأَو لشك المخلوق ، أو تشكيك الله إياه أو للتخيير على جوازه فى الإخبار مطلقا ، أو بشرط التشبيه كما فى الآية ، أو للإضراب الانتقالى لا الإبطالى ، لأن الله جل وعلا لا يقول بالباطل إلا أن يقال الأول على سبيل الفرض ، وهو لمح البصر ، والثانى محقق ، وهو كونه أقرب ، ككونه فى نصف لمح البصر ، واللمح : النظر الخفيف السريع ، وفسر برجع الحدقة من أعلاها إلى أسفلها .

وفيه مع ذلك أجزاء دقيقة من الزمان ، وذلك أن الله يحيى الخلق فى آن واحد ، لا يقبل التجزؤ ، ولو تفاوت خروجهم من قبورهم ، ومعنى التخيير أن الله D خيّرنا أن نشبه أمرها بكلمح أو بأقرب ، وأو لمنع الخلق لا لمنع الجمع ، لجواز أَن يشبه باللمح وبأقرب ، ويجوز أن يكون المعنى أن قيام الساعة ، ولو تراخى وقوعه هو قريب عند الله شبه بلمح البصر أو أقرب ، كما قال : ﴿ وإِن يومًا عند ربك كألف سنة ﴾ فى أحد أوجه .

وفى هذا التفسير الآخر الأوجه المذكورة فى أو ، ولكون أمر الساعة كلمح البصر أو أقرب مناسبة لعلم الغيب ، ولعلم الغيب مناسبة للذى يأمر بالعدل ، وهو على صراط مستقيم ، لأنه لا يكون كذلك لا يعلم ، وقيل : المعنى : ما إماتة الناس كلهم آخر الدنيا ، وإحياؤهم إلا كلمح البصر .

﴿ إنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ لا بعجزه شئ ، فهو قادر أن يحيى الخلق دفعة ، كما خلقهم تدريجًا ، لأنه يفعل بلا آلة ولا علاج ولا كسب ، واستدل على ذلك بقوله :

﴿ وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ العطف على أن الله على كل شئ قدير ، وقيل : على ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ﴾ الهاء زائدة كأهراق فى أراق . أمهات للعموم ، وقيل للأناسى ، والأمات للحيوانات ، وقوله : ﴿ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ حال من الكاف ﴿ شَيْئًا ﴾ مفعول به ، أى شيئًا من المعلومات ، أو مفعول مطلق ، أى علمًا والأول أنسب ، وعلى الثانى لا مفعول لتعلم ، أى لا علم لكم ، والمراد قيل : لا تعلمون شيئًا من حق المنعم وغيره ، أو شيئًا من منافعكم ، أو مما قضى من سعادة أو شقاوة ، أو مما أخذ عنكم من الميثاق يوم قال :

٢٬١٣٨ / ٦٬٠٩٣