89
الجزء ٥ · صفحة ١٥٠﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾ نبيًّا يشهد ، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير نبى أو صالح فيهم ، أو نبى وصالح معاً ، ولا بد فى كل عصر نم تأثم على أهل عصره يكون صالحا حجة ، ولا تخلو منه أمة يشهد هو لهم ، وتشهد لهم أمته ، ويزكى أمته ، فإن دخل A فى قوله : ﴿ ويوم نبعث ﴾ إلخ بلا بأس بذكره هنا شهيداً على غير أمته من الأنبياء ، وجاز إرادة أمته فى الموصمين ، ولا تكرار ، ولأن الشهادة الأخيرة تزكية لهم ، إذ شهدوا على الأنبياء وأممهم ، وكذلك جعلناكم أمة وسطا إلخ .
ولفظ على فى الخير والشر ، والشاهد علو فى الجملة ، أو لوجه ما ، ورسول الله A يشهد على مَن يأتى من أمته إلى قيام الساعة ، ومنه A : « حياتى خير لكم تحدثون ويحدث لكم ومماتى خير لكم تعرض علىَّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله تعالى عليه ، ما رأيت من شر استغفرت الله تعالى لكم وتعرض على القرابة » قال A : « لا تفضحوا موتاكم بسيئات أعمالكم فإنها تعرض على أوليائكم من أهل القبور » رواه ابن أبى الدنيا عن أبى هريرة .
وقال A : « إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات فإن كان خيرا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا : اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا » رواه أحمد عن أنس ، وروى داود مثله عن جابر ، وزاد : وألهمهم أن يعملوا بطاعتك .
وقال A : « أعمالكم تعرض على موتاكم فيسرون ويساءون » رواه ابن أبى الدنيا عن أبى الدرداءن فكان أبو الدرداء يقول : اللهم إنى أعوذ بك أن يمتنى خالى عبد الله بن رواحة إِذا رأيته بقول ذلك فى سجوده .
﴿ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ بعطف يوم نبعث من كل أمة على يوم نبعث السابق ، ويقدِ ما قدر فيه لبُعده ، والأول يشمل الشهادة للأمم وعليها ، كما مرّ ، وهذا فى الشهادة عليها فقط لزيادة الزجر ، وهذا التأسيس أولى من أن يقال : هذا تفسير للسابق ، أو أن يقال : الشهادة عليهم بمعنى الإخبار عنهم إسلاما وكفرا ، والأصل عدم التفسير ، والأصل أن على للضرر ، ومن أنفسهم من جنسهم أولاد من المعاشر لهم اللائق ، ولو فسر بامسب لأشكل بلوط وشعيب ، إذ ليس هما من نسب أقومهما ، إلا أن يحمل على النسب تحقيقا أو حكما ، فإنهما من النسب حكما لعشرتهما لهم ، أو من يكون نسبهم مثلهما شهد فى مقامه صالح من نسبهم ، أو يعتبر الغالب .
﴿ وَجِئْنَا بِكَ ﴾ يا محمَّد ﴿ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَءِ ﴾ أمتك فى إنزال هذا عليها زجر عظيم إلى آخرها ، ويجوز أن يفسره هؤلاء شهداء الأمم ، وهم أنبياؤه فهو شهيد على الأنبياء ، وذلك لعلمه بعقائدهم ، واستجماع شرعه لقواعدهم ، ولأنه مرسل إلى الأنبياء وأممهم ، فالأنبياء كآحاد أمته ، ولا مانع من تكرير الشهادة ، والنبى A يزكى أمته ، وقوله تعالى :