72
الجزء ٥ · صفحة ١٣٤﴿ وَبِنِعْمَةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ﴾ يستمرون على الكفر ، كأنه قيل لا يجحدون إلا ينعمه ، ولا يؤمنون إِلا بالباطل ، ولا يكفرون إلا بنعمة الله
والاستفهام التوبيخي منسحب على قوله : ﴿ وبنعمة الله ﴾ كأنه قيل أو بنعمة الله هم هم يكفرون ، وكذا انسحب على قوله :
﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ يستمرون ومعنى كفرهم بنعمة الله إِضافتهم إياها للأصنام ، وتحريم المحلل كالبحيرة ، وذلك أن إِثبات الألوهية لغير الله إثبات لبعض النعم لغيره ، لأن الإله منعم ، وقيل الباطل الشيطان ، والنعمة محمد A ، وقيل : الباطل ما حرم الشيطان من نحو البحيرة ، ونعمة الله ما أحل الله D ، وشيئا مفعول لرزنًا من أعمال المصدر المنون أى ما لا يملك لهم أن يرزق شيئا ، وإن جعل بمعنى ما يرزق به الإنسان ، فشيئًا يدل رزقا مؤكد له ، جعل تنوينهما للتحقير أولا ، إِذ شئ أم ومن متعلق برزقا لا يرزقهم من جهة السماء ، لا من جهة الأرض ، أو محذوف نعت لرزقًا ، ومفعول يستطيع محذوف ، أى لا يستطيعون ملك رزق ، وهو منزل كاللازم بمعنى لا استطاعة لهم ، والواو لما فى قوله : ما لا يملك ، مراعاة لمعناها ومراعاة لفظها ، وهو جائز وهو جماعة الأصنام التى يعدونهاعقلاء عندهم ، أو نحو عقلا ، أو للكفار لا يستطيعون وهم عقلاء تحقيقا ، فكيف الأصنام الجمادات .
وذكر هنا هم دون سورة العنكبوت ، لتقدم قوله تعالى : ﴿ والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون ﴾ المفيد لأتم التأكيد ، فيستغنى عن التأكيد بقوله هم ، أو جئ به هنا لسرد النعم على أتم وجه ، فكان التأكيد فى بيان كفرهم أنسب ، ولا سرد لها فى سورة العنكبوت كذلك .
أو لأن آيات سورة العنكبوت استمرت على الغيبة ، وهنا تقدمت خطابات فجئ بقوله هم تأكيداً فى إظهار الغيبة المنتقل إليها لئلا يسبق توهم أحد إلى أن يقرأ تؤمنون وتكفرون بالخطاب ، وهذا ليس فيه ما يعترض عليه ، بأنه لا مقتضى للزوم الغيبة ، وأنه لا لبس فى ترك قوله هم ، وإنما زاد هنا هم دون قوله : أفبالباطل يؤمنون ، لئلا يتوهم أنه تكرير لقوله : أفبنعمة الله يجحدون ، ففصل بالمبالغة والتأكيد ترقيًا فى الدم ، وللجرى على عادة العرب فى أنهم إذا أنكروا على أحد شيئًا جدًا أتوا بكلام آخر أذم من الأول ، لئلا تكون الفاصلة الأولى زادت على الثانية وقال هنا : يكفرون ، وهنالك : يجحدون لتقدم ضرب المثل هنالك ، وهو أقبح ، فناسب الجحد .