سورة الزخرف
الجزء ٤ · صفحة ١١٠وَإِنَّهُ فيِ أُمِّ الكتاب} قيل: هُوَ اللوح المحفوظ، فَإِنَّهُ أصل الكتب السَّمَاوِيَّة، ﴿لدَيْنا﴾ محفوظا عندنا، ﴿لَعَلِيٌّ﴾ رفيع الشأن فيِ الكتب، لكونه معجزا، ﴿حكيمٌ (4)﴾ ذو حكمة بالغة، يخبر عَن منزلته وشرفه؛ إن كذَّبتم بِهِ أَيُّهَا الناس فَإِنَّهُ عندنا لَعليٌّ رفيع شريف. ﴿أفَنَضْرِب عنكم الذكرَ صفحا﴾؟ أفنَذُودُه ونبعده عنكم؟ مجاز من قولهم (1) ضرب الغرائب عَن الخوض، أي: نهملكم فنضرب عنكم الذكر؛ وصفحا: مصدر، فَإِنَّ تنحية الذكر عَنْهُم إعراض؛ والمراد: إنكار أن يكون عَلَى خلاف مَا ذكر من إنزال الكتب عَلَى لغتهم ليفهموه، ﴿أن كُنتُم قوما مسرفِينَ (5)﴾ أي: لأَن كُنتُم، وهي فيِ الحقيقة علَّة مقتضية لترك الإعراض؛ وقد كَانُوا مسرفين عَلَى القطع، متجاوزين حدود الله، أن لو أُهمِلوا ولم يُنزَّل عَلَيْهِمُ الذكر؛ ويحتمل ذَلِكَ فيِ المسرفين، أي: من أسرف فنضرب عَنْهُ الذكر، أي: عَن فهمه، كما قَالَ: ﴿وجعلنا عَلَى قلوبهم أكِنَّة أن يفقهوه وفي آذانهم وَقْرًا﴾ (2).
﴿وكم أرسلنا من نبيٍّ فيِ الأَوَّلِينَ (6) وَمَا يأتيهم من نبيٍّ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يستهزِءُونَ (7)﴾ تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَن استهزاء قومه، لأَنَّهُ مَا [مِن] رسول وَلاَ نبيٍّ يَسْلَم من استهزاء قومه. ﴿فأهلكنا أشدَّ مِنْهُم بطشا﴾ أي: أقوى من قومك، يعني: الأَوَّلين الذِينَ أُهلِكوا، ﴿ومضى مَثلُ الأَوَّلِينَ (8)﴾ وسلَف فيِ القرآن قِصَّتهم العجيبة؛ وفيه وعدٌ للرسول، ووعيد لَهُم بمثل مَا جرى عَلَى الأَوَّلين.
{
(1) - … في الأصل: «قلولهم»، وهو خطأ.
(2) - … سورة الأنعام: 25. وسورة الإسراء: 46.