التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة المرسلات

الجزء ٤ · صفحة ٣٥٠

انطَلِقُوا} أي: يقال لَهُم ﴿إِلىَ مَا كُنتُم بِهِ تكذِّبون﴾ مِنَ العذاب، ﴿انطَلِقُوا﴾ عَلَى الإخبار من امتثالهم للأمر اضطرارا ﴿إِلىَ ظِلٍّ﴾ يعني ظلَّ دخان جهنَّم، كقوله: ﴿وظلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ (1). ﴿ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾ يتشعَّب لعظمه، كما يرى الدخَّان العظيم تتفرَّق ذوائبه؛ قيل: وخصوَصِيَّة الثلاث إمَّا لأَنَّ حجاب النفس من أنوار القدس: الحسُّ والخيال والوهمُ؛ أو لأَنَّ المؤدِّي إِلىَ هَذَا العذاب هُوَ القوَّة الواهمة الحالَّة فيِ الدماغ، والغضبيَّة التِي فيِ يمين القلب، والشهويَّة التِي فيِ يساره، ولذلك قيل: شعبة تقف فوق الكافر وشعبة عَن يمينه، وشعبة عن يساره، ﴿لاَ ظَلِيلٍ﴾ تهكُّم بهم وردٌّ لِمَا أوهم لفظ الظلِّ ﴿ولاَ يغني مِنَ اللَّهَبِ﴾ وغير مغنٍ عَنْهُم من حرِّ اللهب شَيْئًا، ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ أي: كلُّ شرارة كالقصر مِنَ القصور فيِ عظمها، ويؤيِّده أنَّهُ قرئ «بشرار»، وَقيل: هُوَ الغليظ مِنَ الشجرة، ﴿كأنَّه جِمَالَتٌ﴾ [645] جمع جمال، ﴿صُفْرٌ﴾ فإنَّ الشرار لِمَا فِيهِ مِنَ الناريَّة يكون أصفر؛ وقيل: سود، فإنَّ سواد الإبل يضرب إِلىَ الصفر، والأوَّل تشبيه فيِ العِظمِ، وَهَذَا فيِ اللون والكثرة، والتتابع والاختلاط، وسرعة الحركة، وقرئ: «جُمالات» بالضمِّ جمع «جُمالة»، وقد قرئ بها؛ وهي الحبل الغليظ من حِبال السفينة، شبَّهَه بها فيِ امتداده والتفافِه، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (15)﴾.

﴿هَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ أي: لاَ ينطق بِمَا يَسْتَحِقُّ؛ فإنَّ النطق بِمَا لاَ ينفع كلاَ نطق؛ أو لاَ ينطقون بشيء من فرطِ الدهشَة والحيرة، وَهَذَا فيِ بعض المواقف، ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُم فَيَعْتَذِرُونَ (35)﴾ عطف «فيعتذرون» عَلَى «يؤذن» ليدلَّ عَلَى نفي الإذن والاعتذار عقبيه مطلقًا، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (36)﴾.

{

(1) - … سورة الواقعة: 43.

١٬٥١٢ / ١٬٥٨٨