التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة النبأ

الجزء ٤ · صفحة ٣٥٣

وأنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ} السحاب إِذَا أعصرت، أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر؛ أو الرياح ذوات الأعاصير، لأَنَّهَا تنشئ السحاب، ﴿ماء ثَجَّاجًا (14)﴾ منصبًّا بكثرة؛ يقال: ثجَّه وثجَّ بنفسه، ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونباتا (15)﴾ مَا يقتات بِهِ، وَمَا يعتلف مِنَ التبن والحشيش، ﴿وجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16)﴾ ملتفَّة بعضها ببعض، ﴿إنَّ يومَ الْفَصْلِ كَانَ﴾ كَانَ فيِ علم الله، أو فيِ حكمه ﴿ميقاتا (17)﴾ حدًّا تؤقَّت بِهِ الدُّنْيَا.

﴿يَوْمَ يُنفَخُ فيِ الصُّورِ فتأتون أفواجا (18)﴾ جماعات مِنَ القبور إِلىَ المحشر؛ أو كلُّ أمَّة مَعَ إمامهم؛ أو كلُّ أهل فوج يضمُّهم عملهم؛ والمعنى: أن يحشر كلُّ وَاحِد مَعَ من يناسبه فيِ العمل، لأَنَّ المتناسبين فيِ العمل متناسبون فيِ الجزاء، ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاء﴾ وشقَّت، ﴿فكانت أبوابا (19)﴾ فصارت من كثرة الشقوق كأنَّ الكلَّ أبواب.

﴿وَسُيِّرَتِ الجبالُ﴾ فيِ الهواء كالهباء، ﴿فكانت سَرَابًا (20)﴾ مثل سراب، إذ ترى عَلَى صورة الجبال، ولم تبق عَلَى حقيقتها لتفتُّت أجزائها وانبثاثها، ﴿إنَّ جَهَنَّم كَانَت مِرصادا (21)﴾ موضع رصد، يرصد فِيهِ خزنة النار الكفَّار؛ أو مجدَّة فيِ ترصُّد الكفرة لئلاَّ يشذَّ منها واحد، ﴿للطاغين مَآبا (22)﴾ مرجعا ومأوى، ﴿لاَبِثِينَ فِيهَا أحقابا (23)﴾ دهورًا متتابعة لاَ تنقضي أبدًا، ﴿لاَ يذوقون فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرابا (24) إِلاَّ حميما وَغَسَّاقًا (25)﴾ والمراد بالبرد مَا يروِّحهم وينفِّس عَنْهُم حرَّ النار، وبالشراب مَا يرويهم مِنَ (لَعَلَّهُ) العطش؛ وبالغسَّاق: مَا يَغْسِقُ (1)، أي: يسيل من صديدهم، [647] ﴿جزاء وِفَاقًا (26)﴾ ذا وفاق لأعمالهم؛ أو موافقا لها عَلَى قدرها؛ لأَنَّ الله لاَ يظلم مثقال ذرَّة.

{

(1) - … انظر: ابن منظور: لسان العرب، ج4/ ص987، مَادَّة «غسق».

١٬٥١٥ / ١٬٥٨٨