التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة عبس

الجزء ٤ · صفحة ٣٦٤

وَلَمَّا ذَكر خَلق ابن آدم، ذَكر رزقَه ليعتبر فقال: ﴿فلينظرِ الإِنْسَانُ إِلىَ طعامه (24)﴾ إتبَاع للنعم الذَّاتِيَّة بالنعم الخَارِجِيَّة، ﴿إنَّا صَبَبْنا الماءَ صبًّا (25)، ثُمَّ شَقَقنا الأَرْض شقًّا (26)، فأنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وعِنَبًا، وَقَضْبًا (28)﴾ قيل: القَتُّ ﴿وزيتونا، ونخلا (29)، وحدائقَ غُلبًا (30)﴾ عِظاما؛ وصفَ بِهِ الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها، أو لأَنَّهَا ذات أشجار غلاظ، ﴿وفاكهةً وأبًّا (31)﴾ ومرعًى، من أبَّ: إِذَا أمَّ، لأَنَّهُ يؤمُّ وينتجع؛ أو مِن أبَّ لكذا: إِذَا تهيَّأ لَهُ، لأَنَّهُ متهيِّء (1) للرعي؛ أو فاكهة يابسة تؤبُّ للشتاء؛ ﴿متاعا لكم ولأنعامكم (32)﴾ فإنَّ الأنواع المذكورة بعضها طعام، وبعضها علف.

﴿فإذا جاءَت الصَّاخَّةُ (33)﴾ حالة الهلاك، أي: يصخُّ المرء لها؛ (لَعَلَّهُ) أو يصخُّ منها، ﴿يومَ يَفِرُّ المرءُ﴾ مِنَ المحبَّة الدُّنْيَوِيَّة عند انكشاف الحقائق، فيفرُّ ﴿من أخيه (34) وأمِّه وأبيه (35) وصاحبتِه وبنيه (36)﴾ (لَعَلَّهُ) لاَ يلتفت إِلىَ [أيِّ] وَاحِد مِنْهُم لاشتغاله بشأنه، وعلمه بأنَّهم لاَ ينفعونه؛ ﴿لِكُلِّ أمرِئٍ مِّنْهُم﴾ مِن صالح وطالح ﴿يَوْمَئِذٍ شأنٌ يُغنِيهِ (37)﴾ يكفيه فيِ الاهتمام، (لَعَلَّهُ) ويشغله عَن شغل غيره، وهكذا العاقل فيِ الدُّنْيَا لَهُ شغل من نفسه يغنيه عَن الاشتغال بغيره، فينبغي لَهُ الفرارُ والهجرةُ إِلىَ الله (لَعَلَّهُ) من كُلِّ شيء عَلَى سبيل الاختيار، قبل الحيلُولة عَن ذَلِكَ.

﴿وُجوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسفِرةٌ (38)﴾ (لَعَلَّهُ) مضيئةٌ مشرقةٌ، من إسفارِ الصبح، ﴿ضاحكةٌ﴾ بالسرور، ﴿مُسْتَبْشِرَةٌ (39)﴾ بِمَا تَرى مِنَ البشارة.

{

(1) - … فيِ الأَصْلِ: «منتهى»، وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص244. أبو السعود: تفسير، مج5/ ج9/ ص112.

١٬٥٢٦ / ١٬٥٨٨