179
الجزء ٣ · صفحة ٢٧٤لكن مفهوم جهنم مفهوم لقب ﴿ مِنَ الْجِنِّ والإِنْسِ ﴾ ولا يوجد فى جهنم معذب سواهم ، يعنى كثيرًا ممن أَصر منهم على الكفر ، وقدم الجن لأَنهم أَشد جهالة وعمى وصمماً فى الدين ، وأَشد شبها بالأَنعام ، وأَكثر عدداً ، وأَقدم خلقاً ، ويتضررون بالنار ولو خلقوا منها كما يتضرر الإِنسان بالطين ولو خلق منه ، وحقيقة النار لم تبق فيهم كما أَن حقيقة الطين لم تبق فى الإِنسان ، وأَيضاً نار الآخرة غير النار التى خلقوا منها ، وأَيضاً المعذب هو الروح وليس مخلوقاً من النار ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ ﴾ قابلة للتدبر ومتمكنة منه أَهملوها فلم ينتفعوا بها كما قال ﴿ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ ما هو الحق ﴿ وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا ﴾ إِبصار استدلال ، أَو كأَنهم عمى فقدوها إِذ لم ينتفعوا بها للدين ﴿ وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ ما أَنزل وما نصب من الأَدلة ، أَو كأَنهم صم لم ينتفعوا بها لدينهم ﴿ أَولئِكَ كَالأَنْعَامِ ﴾ التحقوا بالأَنعام حين أَهملوا ما ميزهم الله به من العقل والتمكن من الفهم فصاروا كالأَنعام الفاقدة لذلك الذى يميزون به ، وأَضرب عن ذلك إِضراب انتفاق بقوله ﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ من الأَنعام لأَنها تهرب من مضارها ، وتقصد منافعها ، وإِذا قارنها هاد اهتدت إِلى ما أُريد منها ، بخلاف الكافر ، فإِنه لا يهتدى بهاد ، ويحطب لنفسه ما يجرفها من الذنوب عناداً ، مع علمه أَو تمكنه من الهدى ، ولا خفاءَ فى أَنه من ضيع ما يصل به إِلى الفضائل العظيمة أَخس مما لا يكسبها لعدم قدرته وهى البهائم ، وأَيضاً هى مطيعة لله D عابدة غير عاصية ﴿ أَولئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ الكاملون فى الغفلة المهلكة . قالت عائشة رضى الله عنها فى صبى مات من الأَنصار : طوبى له من أَهل الجنة . فقال A : « ما يدريك أَن الله خلق للجنة أَهلا وللنار أَهلا فى أَصلاب آبائهم » وهذا قبل أَن يعلم أَن الأَطفال مطلقاً فى الجنة ، ويروى : عصفور من أَهل الجنة .