تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

185

الجزء ٣ · صفحة ٢٨١

﴿ أَوَ لَمْ يَنْظُرُوا ﴾ نظر استدلال ، أى كذبوا ولم ينظروا ، أَو أَلم يتفكروا ولم ينظرو ﴿ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وَمَا ﴾ أَى وفيما ﴿ خَلَقَ اللهُ مِنْ شَىْءٍ ﴾ كائن ما ، وذلك عطف على خاص ، وذكر الخاص لظهور عظم الملك فيه ، وهو السموات والأَرض ، ويجوز عطف ما على السموات والأَرض ، والملكوت الملك مطلقاً ، أَو الملك العظيم لزيادة الواو والتاءَ ، أَو الملك الغائب يسمعون به وينعون إِليه كالعرش أَو الغاضب الضمنى الذى يشاهدون ما خرج منه كالنار فى ضمن الشجر الأَخضر والحجارة و الثمار فى ضمن الأَرض والماء والخشب . وقوله : وما خلق الله من شئٍ يشمل ذرات الأَجسام والأَعراض ، ففى كل ذرة دلالة على الله وكمال قدرته إِذ لا يخلقها سواه ، ولا يقصرها على ما هى عليه من شكل أَو لون أَو طعم أَو غير ذلك من الصفات مع إِمكان غيرها - إِلا الله . أَمرهم الله سبحانه وتعالى أَن ينظروا فى ملكوت السموات والأَرض ، وفى كل شئ ، وفى أَجلهم لعله قد اقترب فيبادروه بالإِيمان والصلاح قبل نزول العذاب أَو الموت كما قال ﴿ وَأَنْ عَسى ﴾ وفى أَنه عسى ﴿ أَنْ يَكُونَ ﴾ أَى الشأْن ، فقد تكرر ضمير الشأْن ومسماهما واحد ، كقولك زيد عسى أَن يقوم زيد ، فى مجر التكرير ، وأَجاز بعض ، بل سيبويه ، وارتضاه ابن هشام أَن يكون اسم أَن ضميرهم ، أَى وأَنهم عسى أَن يكون ﴿ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ﴾ فاعل اقترب والجملة خبر يكون ، أَو اسم يكون ضمير الأَجل على أَنه واقترب ، تنازعا فى أَجل ، أَو أَجل اسمه ، وفى اقترب ضميره ، وفيه تقديم الخبر الفعلى بحال يلبس بالفاعلية إِلا أَن يغتفر بطلب الفعل الأَول للمرفوع إِذ لا بد له منه ﴿ فَبأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدُهُ ﴾ بعد القرآن وهو أَفضل حديث وأَصدقه ونهايته فى البيان ، أَو بعد هذا الحديث وهو القرآن ، أَو بعد الرسول أَى بعد حديثه ، وهو القرآن ، والرسول أَصدق الناس ، أَو بعد أَجلهم كيف يؤمنون بعد انقضاءَ أَجلهم ﴿ يُؤمِنُونَ ﴾ إِذ هو الغاية فى البيان والصدق ، وكل كلام هو دونه ، فلا يتصور إِيمانهم بما هو دونه ، وهذا إِقناط من إِيمانهم ، للطبع عليهم ، فقد انسحب على هذا ما فى قوله « أَو لم ينظروا » من التوبيخ ، ويجوز كونه مرتبطاً بقوله عسى أَن يكون قد اقترب أَجلهم ، أَى لم لا يتوقعون اقتراب الأَجل ويتركون الإِعراض عن الإِيمان بالقرآن ، وقرر ضلالهم وعلله بالضلال المطلق الذى لا هادى له . فى قوله :

﴿ مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَادِى لَهُ ﴾ إِلى دين الحق ﴿ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ يترددون ، والنون فى نذرهم على طريق الالتفات إِلى المتكلم من الغيبة ، والواو عاطفة على جملة الشرط والجواب عطف قصة على أُخرى ، لأَن الواو لا تكون حرف استئناف إِذ لا وجه لقولك أَن هذه الواو جاءَت لتدل على أَن ما بعدها مستأَنف بخلاف من الابتدائية فإِنها وضعت لتدل أَن مبدأ الفعل مدخولها ، وكذلك لا تكون الواو للاعتراض ، إِذ لا وجه لقولك أَن هذه الواو وضعت لتدل على أَن هذه الجملة معترضة ، فلتحمل الواو فى المسأَلتين على ما يمكن من العطف أَو الحال مثلا ، ولو قلت فى الاعتراضية أَنها عاطفة قبل تمام الجملة المعطوف ع ليها لجاز ، لأَن الجمل يتوسع فيها ما لا يتوسع فى المفردات ، وفى المقام مناسبة كأَنه قيل : نذرهم فى طغيانهم يعمهون لأَنهم ممن أَضل الله D .

١٬٢٨١ / ٦٬٠٩٣