تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

203

الجزء ٣ · صفحة ٢٩٨

﴿ وَإِذَا لَمْ تأْتِهِمْ بِآيَةٍ ﴾ خارقة للعادة على وجه يقترحونه ، بأَن أَبطأَت أَو أَتيتهم بآية خارقة لا على وجه طلبوه قَالُوا لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا تحضيض على اختراعها أَو جمعها أَو أَخذها من الله ، أَو استخراجها ، واللفظ ماض ، ومعناه المضارع ، أَو لوم له على عدم اجتبائها فى الماضى ، يقال : اجتبى ، اخترع أَو جمع ، يقال : جبيت الماء فى الحوض ، أَى جمعته ، والحوض جابية لأَنه جامع للماء ، واجتبى الشئ استخرجه وأَيضا اجتباه اختاره ، وذلك تعنت كقولهم ﴿ لن نؤمن لك حتى تفجر . . . ﴾ الآية . وقولهم : ابعث لنا قصيا وفلانا يشهدان لك ، وقولهم : أَزل جبال مكة ، وأْت بمياه ، واجعل الصفا ذهبا ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد لهم ﴿ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلىَّ مِنْ رَبِّى ﴾ لا شيئا آتى به من عندى ، لم يأمرنى به الله فأَتبعه وآمر به من معجزة ولا من غيرها نقلية أَو عقلية ، ليس عندى أَن أَقول : أَنزل آية كذا مما يتلى أَو معجزة كذا ، ﴿ هَذَا ﴾ القرآن ﴿ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ جمع بصيرة ، بمعنى مبصرة ، كل آية أَو حجة منه ترى بنفسها كما يرى الإِنسان بعينه ، أَسند الرؤية إِليها إِسنادا مجازيا عقليا ، مبالغة كأَنها لمبالغة الإِرشاد بها رائية على التشبيه البليغ أَو الاستعارة . والقرآن بمنزلة البصائر للقلوب ، أَو ذلك من إِطلاق السبب على المسبب ، فإِنها أَسباب لإِدراك القلوب التوحيد وأَمر الشرع والحجج ، أَو البصائر استعارة لإِرشاد القرآن الخلق إِلى إِدراك الحقائق ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ سبقت لهم السعادة وأَنهم يؤمنون ، وهنا تم القول . . وأَما قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ فهو أَنسب بمن آمن ولو جاز أَن يقصد به الكفرة وحدهم أَو مع غيرهم ، فيدخل فى القول ولا سيما أَنه قيل : نزلت فى السكوت لا فى الصلاة ، وهذا هو لمن آمن ويصلى ، لا للكفار ، وكان الرجل يأتى وهم فى الصلاة فيسأَلهم كم صليتم ، وكم بقى ، وكانوا يتكلمون فى الصلاة لحوائجهم ، ويسلم بعض على بعض فيها فنزلت الآية ، أَو نزلت فى استماع القرآن فى الصلاة وفى الخطبة مطلقا ، أَو خطبة الجمعة ، وفيه أَن الآية مكية والجمعة مدنية ، وإِذا فسرت الآية بالخطبة مطلقا أَو خطبة الجمعة . فإنما سميت قرآنا لأَنها اشتملت على القرآن ، والعمل بعموم اللفظ ، فيجب الاستماع للقرآن إِذا قرئَ فى الصلاة أَو الخطبة أَو فى غيرهما ما دام يفرز الكلام ، ولا يجب إِن كان لا يفرزه لبعده مثلا . . وكان يسمع همهمة إِلا إِن كان فى الصلاة ويستمع لقراءَة الإِمام ولا يقرأ معه ، وهذا داخل فى الآية إِلا فاتحة الكتاب فلا صلاة للمأموم إِلا بها كالإِمام والفذ ، كما جاءَ به الحديث مقيدا لإطلاق الآية ، وكان ناس يقرءُون مع الإِمام غير الفاتحة .

١٬٢٩٨ / ٦٬٠٩٣