تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

189

الجزء ٣ · صفحة ٢٨٦

﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ آدم ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا ﴾ من ضلعها اليسرى ، كان ضلعاً وأَخرجه عنه امرأَة بقدرته ﴿ زَوْجَهَا ﴾ حواءَ أَو منها من جنسها ، وزوجها أَزواج النفس وأَولادها ، كقوله تعالى ﴿ وجعل لكم من أَنفسكم أَزواجاً ﴾ والخطاب فى خلقكم لبنى آدم ، والمراد به المخلوق من هذه الأُمة ، وتعميم الأُمم الماضية ليس مناسباً ، بل الخطاب لأَهل مكة ونحوهم فى الكفر ، وهو رجوع إِلى تقرير أَمر التوحيد وإِبطال الشرك ، وتوبيخ للكفرة على جسارتهم على الكفر بتذكير مبادئ خلقهم ( لَيَسْكُنَ ) لتسكن النفس الواحدة وهى آدم . وإِنما لم يؤنث اعتباراً للمراد بالنفس ، ولو أَنث لتوهم أَن الزوج وهى المراد بأَن تسكن إِلى آدم ، والمستوحش بالوحدة آدم فتزول وحشته بها ﴿ إِلَيْهَا ﴾ يأْنس بها ويأوى إِليها ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ﴾ جامعها ، أَنث النفس أَولا والمراد آدم ، وذكرهما هنا لأَنها عبارة عنه ، فلم يقل تغشته بتاء بعد الشين ، لأَن الجماع أَنسب به ، إِذ هو الذى يسكن إِلى الأُنثى ، ويكون لها كالغشاء إِذا علاها للجماع ﴿ حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا ﴾ هو النطفة أَو هى وما بعدها من الأَطوار قبل أَن يكون ثقيلا ، أَو يراد بالخفة عدم التأَذى به بمعنى محمولا ، فحملا مفعول به ، ويجوز أَن يكون باقياً على معنى المصدر فيكون مفعولا مطلقاً ، والأَول أَنسب ، لقوله تعالى ﴿ فَمَرَّتْ بِهِ ﴾ مشت به ولم يعطلها عن المشى ذهاباً ورجوعاً ، وفى حركتها بلا مشقة ، وفسر بعضهم مرت باستمرت ، وادعى أَن مرور الشئ بالشئ ليس بصحيح هنا ، وأَن الزوج ليست بمارة بالحمل ، بل مستمرة ، وقيل : من القلب فى الكلام ، وأَن المعنى فاستمر بها ﴿ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ ﴾ بكبر الولد فى بطنها صارت ذات ثقل كأَلبنت وأَتمر صارت ذات لبن وذا تمر ، ودخلت فى الثقل كأَصبح دخل فى الصباح وأَمسى دخل فى المساء ، وأَعرق دخل العراق ، والمراد بالثقل التضرر ضد الخفة التى بمعنى عدم التضرر ﴿ دَعَوَا ﴾ آدم وحواء ﴿ اللهَ رَبَّهُمَا ﴾ وقد خافا أَن يكون ما فى بطنها حيواناً من غير جنسهما كقرد وكلب . . وقال لها إِبليس : ما هذا الذى فى بطنك؟ فقالت : لا أَدرى . . فقال : يحتمل أَن يكون كلباً أَو حماراً أَو غير ذلك ، ويحتمل أَن يخرج من عينك أَو فمك ، أَو يشق بطنك لإِخراجه ، فعرضت الأَمر على آدم فدعوا ربهما ﴿ لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا ﴾ ولدا صالح الجسم والشكل من جنسنا ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ من جملة الشاكرين لنعمك الدينية والدنيوية ، فيكون شكرى وشكر حواء على إِيتاء الولد الصالح وسائر النعم علينا ، وكل شاكر يشكرك على ماله من النعم ، والقسم وجوابه مفعول لقول محذوف ، أَى : ﴿ قالا لئن آتيتنا ﴾ إِلخ . . تفسير لدعوا على الاستئناف البيانى ، كأَنه قيل : ماذا قالا فى دعئهما؟ أَو فقالا : لئن آتيتنا إِلخ .

١٬٢٨٦ / ٦٬٠٩٣