تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

197

الجزء ٣ · صفحة ٢٩٤

﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ﴾ تعبدونهم أَو تنادونهم فى مصالحكم أَو تسمونهم آلهة ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾ ذكر هنا تعليلا لعدم مبالاته بهم وبشركائهم ، والفرق بين من يستحق المبالاة به ومن لا يستحقها ، وهنالك لتقريع عبدة الأَصنام فلا تكرير ، وكذا ذكر تتميماً للتعليل قوله تعالى :

﴿ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ ﴾ أَيها المؤمنون الأَصنام؛ أَو أَيها المشركون ﴿ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُوا ﴾ دعاءَكم ﴿ وَتَرَاهُمْ ﴾ أَى ترى الأَصنام يا محمد ، ويامن يصلح للرؤية ﴿ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ ﴾ بصورة الناظر إِليك فهو استعارة تبعية صورية ﴿ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ أَو إِن تدعوا المشركين إِلى الهدى لا يسمعوا دعاءَكم سماع قبول أَو تفهم ، وتراهم ينظرون بأَعينهم إِليك وهم لا يبصرونك بقلوبهم ، أَو لا يقبلون حجتك . واشتد عليه A خلافهم له فنزل قوله تعالى :

﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾ قال ابن أَبى الدنيا مرفوعاً : « اقبل ما تيسر من أَخلاق الناس » ، ويقال : اقبل ما تيسر من أَموال المسلمين والمشركين وأَخلاقهم وأَفعالهم وأَقوالهم التى لا تخالف الشرع ، واعذرهم ولا تستقص ولا تتجسس فيستقصوا عليك ويتجسسوا ، وتقع العداوة ، أَو خذ العفو عن المذنبين ، شبه العفو بشئ محسوس يطلب ويؤخذ ، ورمز لذلك بالأَخذ ، قال A : « يا جبريل ما أَخذ العفو؟ فقال : لا أَدرى حتى أَسأَل العالم ، فرجع فقال : إِن الله تعالى أَمرك أَن تعفو عمن ظلمك ، وتعطى من حرمك ، وتصل من قطعك . وكان الرجل يمسك ما يكفيه ، ويتصدق بالباقى ، ولما نزلت الزكاة وجب مقدارها وترك غيره ، ولما نزل القتال وجب القتال وحل الغنائم ، وقيل : خذ العفو عن المذنبين ، والتعبير به إِغراء شديد » ، ﴿ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ المعروف ، وهو كل ما جاءَك من الله ، وما يعرف فى الشرع حسنه من مكارم الأَخلاق وترك مساويها ، وسواء فى ذلك اعتقاد وقول وفعل . وفى البخارى عن عبد الله بن الزبير : ما نزلت خذ الفعو وأمر بالعرف إِلا فى أَخلاق الناس ﴿ وَأعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ لا تجازهم على جفائهم سواء كانوا مشركين أَو موحدين ، وهذا مما لا ينسخ ﴿ وإِذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ قال جعفر الصادق : ليس فى القرآن آية أَجمع لمكارم الأَخلاق من هذه الآية ، وقد يصدر من ضعفاء الإِسلام وأَهل البدو جفاء . ولما نزلت الآية كما مر سأَل النبى A جبريل عن معناها ، فقال : لا أَدرى حتى أَسأَل ربى ، فذهب فرجع فقال : إِن ربك أَمرك أَن تصل من قطعك ، وتعطى من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ، ولما نزلت قال : يا رب كيف بالغضب؟ فنزل قوله :

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ ﴾ يا محمد ، أَو يا من يصلح للخطاب ، وعلى الأَول يكون الذين اتقوا بعد هذا المرسلين أَولى العزم ، والعموم فى الذين اتقوا أَولى ، ويجوز أَن يراد بالخطاب العموم كقوله تعالى

١٬٢٩٤ / ٦٬٠٩٣