19
الجزء ٣ · صفحة ٤١٢وقد قال الله D عن المسلمين لا يستوون ، وأَكد ذلك بقوله : ﴿ لاَ يَسْتوُونَ عِنْد اللهِ ﴾ لأَن نفى الاستواء مستفاد من الإِنكار والتوبيخ فى قوله ﴿ أَجعلتم ﴾ وعلل نفى الاستواء بقوله ﴿ واللهُ لاَ يَهْدِى القَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ وبقوله :
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ وقوله ﴿ والله لا يهدى القوم الظالمين ﴾ نزلت فيمن قال بالجعل والاستواءِ ، والظالمون المشركون ، نزلت ردا على على من قال بهما كالعباس وغيره ، والعباس رضى الله عنه كان مشركا لا هدى له ، وكان أَمره مختلطا بين كفر وإِيمان ، ثم خلص فإِن أُريد بالكافرين ما يعم من يتوب فالمعنى أَن كفرك شاغل لك عن الهدى ما دام فيه ، وإِن أُريد كافرون أَشقياء فقد خوفه بهم . أَو الظالمون بمعنى ظلموا أَنفسهم و المؤمنين دعوى للاستواءِ . ومعنى أَعظم درجة أَن من جمع بين الإِيمان والهجرة والجهاد بالمال والنفس أَعظم كرامة ورتبة ممن آمن وهاجر ولم يجاهد ، أَو جاهد بنفسه دون ماله ، أَو بماله دون نفسه ، أَو أَن الجامعين بين تلك الصفات أَعظم درجة من المشركين على زعمهم أَن لهم درجة عند الله فى الدنيا ، وهم لا يقرون بالبعث ، أَو أَعظم خارج عن التفضيل أَى عظيمون درجة قابل به أَن المشركين خسيسون ، كما قابل بالفائزين المشركين الهالكين الخاسرين . وفى يبشرهم ربهم من التعظيم ما ليس فى بشرهم يا محمد ، ولا سيما مع لفظ الرب المشعر بالإِنعام والرحمة فى الدنيا ، والرحمة عند الموت ، وفى القبر والبعث والحشر والرضوان ، قضاؤه الأَزلى بأَنهم سعداء وأَنه لا يسخط عليهم أَبدا ، كما جاءَ أَن الله D يقول لأَهل الجنة : أَرضيتم؟ فيقولون : ما لنا لا نرضى وقد أَنجيتنا من النار ، وأَعطيتنا ما لم تعط أَحدا فيقول : أَعطيكم أَكبر من ذلكم . فيقولون : ما هو؟ فيقول : نعيم مقيم . والرضوان نعيم الآخرة ، ولا يتكرر مع قوله نعيم مقيم لأَن فيه زيادة الإِقامة بمعنى الدوام وعدم الارتحال ، قيل : استعار ما هو المطلق الحصول والمكث للمكث والحصول الدائمين استعارة المطلق للمقيد ، كما إِذا تعمد إِطلاق الرجل مختصا برجل مخصوص والأَولى أَن ذلك مجاز مرسل من إِطلاق المطلق على المقيد ، ولا بأس بالإِطناب فى هذا المقام حتى أَنه لو جعلت الرحمة والرضوان واحدا لكان حسنا ، أَو الرحمة رحمة الدنيا والآخرة كلها ، والرضوان عطف خاص على عام ، ولا يحسن تفسير الرحمة بكون العبد راضيا بقضاء الله ، والرضوان بكونه مرضيا عند الله ، على أَن يطابق قوله تعالى