19
الجزء ٣ · صفحة ٤١٣﴿ يا أَيتها النفس المطمئنة * ارجعى إِلى ربك راضية مرضية ﴾ لأَن الرحمة فعل الله والمقام ليس مقاما لأَن يذكر أَنه يبشرهم بأَنكم راضون بقضائى ، وأَن كونكم راضين به رحمة منى ، وقابل الإِيمان بالرحمة ، وبدأَ بها لتوقفها عليه ، ولأَنها أعم النعم وأَسبغها . . وقد قال الله D :
رحمتى سبقت غضبى . . وقابل الجهاد الذى فيه بذل الأَنفس والأَموال وهو الغاية بالرضوان الذى هو نهاية الإِحسان ، وقابل الهجرة عن الوطن بالجنة العظمى الدائمة لا هجرة عنها ، وخالدين حال مقدرة ، لأَن الخلود لم يقارن ثبوت النعيم ، بل يقارن المكث فى النعيم ، ولما أَمر الله بالتبرى من المشركين ولو كانوا آباء وإِخوانا ومثلهم الأَبناء والبنات ومن دونهم قالوا : كيف نتركهم ولا بد منهم نزل قوله تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكمْ وَإِخْوَانَكُمْ ﴾ الآية تلويح إِلى غيرهم أَيضا كالابن ودخلت الأُم والأَجداد والجدات فى الآباءِ وفسر بعضهم الإِخوان بالأَقرباءِ ﴿ أَوْلِيَاءَ ﴾ أَصدقاءَ لئلا يردوكم عن الإِسلام وتفشوا إِليهم أَسرار المسلمين والمراد بالإِخوان الجنس لا مقابلة فرد بفرد لأَنه قد يكون للواحد أَب أَو جد أَو أَجداد ، وأُم وجدة أَو جدات ، أَو أَخوان اثنان فصاعدا ، إِلا أَن يقال : الفرد حصة كل واحد من ذلك ، ولو تعددت أَفرادها ﴿ إِن اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ ﴾ بقوا عليه حبا له أَو ارتدوا إِليه كما ارتد طائفة وهربوا إِلى مكة ، وذلك كله بعد فتح مكة لأَن السورة بعد الفتح ، ويروى أَنهم تسعة . والآية فى ذم الكافرين والنهى عن أَن يجعلهم أَحد أَولياءَ لا فى شأن الهجرة ﴿ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ ﴾ راعى لفظ من فى يتول فأَفرد ومعناه فى قوله ﴿ فَأُولَئِك هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ وذكر بعض أَن الآية فى العباس وطلحة أَسلما وامتنعا . وعن ابن عباس لما أَمر النبى A الناس بالهجرة تعلق بمن أَرادوا الهجرة أَهلهم وأَولادهم ، وقالوا : إِلى من تكلوننا ، فتركوا الهجرة رقة لهم ، وقالوا إِن هاجرنا ضاعت أَموالنا وخربت ديارنا وتعطل تجرنا ، وفيه أَن السورة بعد الفتح ولا هجرة بعد إِلا أَن يقال : الآية قبله . والظلم وضع الموالاة فى غير موضعها ، أَو ظلم أَنفسهم بالذنب ، أَو ظلم المسمين بالموالاة لأنها مضرة لهم ، وأَنهم يغتاظون بذلك .