41
الجزء ٣ · صفحة ٤٤٨والآية نزلت قبل الرجوع من تبوك ، فهى إِخبار بالغيب على تقدير القول ، أَى قائلين والله ﴿ لَوِ اسْتَطَعْنَا ﴾ ويجوز أَن لا يقدر القول على تضمين يحلفون معنى يقولون ، فلا يتعلق بالله حينئذ ، بيحلفون بل بفعل القسم محذوفا ، أَى يقولون بالله لو استطعنا ﴿ لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ ﴾ أَى لو استطعنا الخروج معكم لخرجنا معكم ، أَو لو استطعنا قوة بدن أَو مال لخرجنا معكم ، ولو وشرطها وجوابها جواب القسم ، أَو لخرجنا جواب القسم ، وجواب لو أَغنى عنه جواب القسم . ﴿ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ بدل من يحلفون بدل اشتمال لا بدل مطابق كما قيل ، فإِن الحلف سبب الإِهلاك لانفس الإِهلاك ، وقد يقال إِنه هو لأَن إِيقاعه إِيقاع للهلاك ، أَو حال من واو يحلفون أَو من الفاعل فى جرجنا ، وإِهلاك أَنفسهم بالكذب ، قال A : « من حلف بالله كاذبا تبوأَ مقعده من النار » وقال : « اليمين الكاذبة تذر الديار بلاقع » ﴿ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ فى نفيهم الاستطاعة إذ قالوا لو استطعنا لأَنهم مستطيعون ، وفى دعوى أَنهم مؤمنون ، وليس المراد تكذيبهعم بأَنهم لو استطاعوا لم يخرجوا . لأَن فى هذا إِثبات عدم استطاعتتهم وهم مستطيعون ، واعتذرت طائفة من المنافقين ، وطلبوا أَلا ينفروا ، فأُذن لهم فى التخلف اجتهادا منه بلا نوع مصلحة من الدنيا ، فعاتبه الله بلطف فى قوله : ﴿ عَفَا اللهُ عَنْكَ ﴾ بتقديم العفو عن العتاب تعظيما له لم يقع لغيره وتطييبا لقلبه ، والعفو مؤذن بالإِساءة . ﴿ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾ فى التخلف عنك بقول كاذب ، وهذا بيان لما فيه العفو وهو الإذن لهم ويجوز ألا يكون قلوه عفا الله عنك مشعرا بالإِساءة ، بل بدْءَ كلام بخير إِعظاما له كما تقول لمن لم يسىءْ إِليك : عفا الله عنك ، افعل لى كذا أَو لا تفعل كذا ، وعفا الله عنك ما فعلت فى أَمرى ، ورضى الله عنك ما قلت فى جوابى ، قال ابن الجهم للمتوكل حين أَمر بنفيهِ :
عفا الله عنك أَلا حرمة … تجود بفضلك يا ابن الندا
أَلم تر عبدا عدا طوره … ومولى عفوا ورشدا هدى
أَقلنى أَقالك من لم يزل … يقيك ويصرف عنك الردى