53
الجزء ٨ · صفحة ٢٣٤﴿ الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْدًا ﴾ الخطاب لمطلق الناس الحاضر والغائب . والحضور يغلب على الغيبة .
وقيل لفرعون وقومه . ومعلوم أن غيرهم مثلهم . واملهاد : الفراش أو جمع مهد ، ويدل له قراءة الكوفيين مهداً أى جعل ما لكم مثل المهد الذى يمهد للصبى . والذى نعت لربى أو خبر لمحذوف أو منصوب بمحذوف على المدح .
﴿ وَسَلَكَ ﴾ سهل أو أوجد . قيل : أو جعل . قلت : أو أدخل بمعنى ما ذكر .
﴿ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ﴾ طرقا أدخلها بين الجبال والبرارى والأودية تمشون فيها لمنافعكم .
﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً ﴾ هذا تمام كلام موسى . ثم قال عز وعلا تتميما لما وصفه به موسى وخطاباً لأهل مكة :
﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى ﴾ أصنافاً مختلفة الألوان والطعوم والروائح والمنافع ، وبعض لكم ، وبعض لدوابكم . سميت أزواجا لازدواج بعضها ببعض أى لاقتران البعض بالبعض . وشتى الفه للتأنيث جمع شتيت . ومن نبات نعت لأزواجا ومن للبيان . وشتى نعت أزواجا للتوكيد ، قيل : أو نعت نبات ولو كان جمعاً؛ لأن نباتا فى الأصل مصدر يثلح للواحد فصاعداً .
وقيل : النبات أصله لما ينبت واستعماله مصدراً خروج عن ذلك وتشتت الأمر : تفرق فهو شتيت : متفرق .
وتعلم مما مر أن كلام موسى تم عند قوله : ماء أنه لا التفات .
وإن قلنا : إن كلامه لم يتم عند ذلك ففى الكلام التفات من الغيبة إلى التكلم حكاية لكلام الله وإما للتنبيه على ظهور كمال القدرة والحكمة والإيذان بأنه مطاع تنقاد له الأشياء المختلفة ، فكما يدل عليهما التعبير بالتكلم يدل التعبير بالغيبة فليسا سبباً للالتفات كما قيل . مم الدلالة عليهما بالتكلم أقوى من حيث إن الكلام حينئذ نص من الله على لسان موسى لا كلام من موسى عن الله فافهم .