سورة الزمر
الجزء ٤ · صفحة ٤٧خَلَق السَّمَاوَاتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ (1) يُكوِّر اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ، ويُكوِّر النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} يُغشي كلُّ وَاحِد مِنْهُما الآخَر، كأنَّه يَلُفُّ عليه لفَّ اللباس باللاَّبِس، أو يُغَيِّبه بِهِ، كما يُغيَّب الملفوف باللُّفافة؛ ﴿وسخَّر الشمسَ والقمرَ، كلٌّ يَجري لأِجَلٍ مُّسمًّى﴾ هُوَ مُنتهى دورة، أو منقطع حركته، ﴿ألا هُوَ العزيز﴾ القادر عَلَى كُلِّ ممكن، الغالب عَلَى كُلِّ شيء، ﴿الغفَّارُ (5)﴾ حيث لم يُعاجل بالعقوبة، وسلب ما في هَذِهِ الصنائع مِنَ الرحمة وعموم المنفعة.
﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ جَعَلَ منها زوجَها﴾ استدلال آخر بِمَا أوجده فيِ العالم السفليِّ، مبتدَؤُه من خلقِ الإنسان، لأَنَّهُ أقربُ وأكبرُ دلالة، وأعجب، ﴿وأنزلَ لكم﴾ وقضى، أو قسم لكم، فإنَّ قضاياه وقسمه تُوصف بالنزول مِنَ السماء، حيث كتب فيِ اللَّوح؛ أو أحدث لكم بأسبابٍ نازلة، كأشعَّة الكواكب والأمطار، ﴿من الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ﴾ ذكرًا وأنثى، مِنَ الأبل والبقر والضأن والمعز، ﴿يَخْلُقُكم فيِ بُطونِ أُمَّهاتكم﴾ بيان لكَيفيَّة خلق آدم، [وَ] مَا ذكر مِنَ الأناسي والأنعام، إظهارًا لِمَا فِيهَا من عجائب القدرة، غير أنَّه غلَّب أولي العقل وخصَّهم بالخطاب، لأَنَّهُم المقصودون، ﴿خَلْقًا من بعدِ خَلْقٍ فيِ ظُلُماتٍ ثلاثٍ﴾ حيوانا سويًّا، ﴿ذلكم﴾ الذِي هَذِهِ أفعاله، ﴿اللهُ ربُّكم﴾ هُوَ المستحقُّ لعبادتكم والمالك ﴿لَهُ الملك، لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ إذ لاَ يُشاركه فيِ الخلق غيره، ﴿فأنَّى تُصرَفُونَ (6)﴾ فكيف تَعدلون عَن عبادته بالإشراك بعد هَذَا البيان!.
{
(1) - … في الأصل: - «بالحق» وهو سهو.