سورة الزخرف
الجزء ٤ · صفحة ١١٥وإذ قَالَ إبراهيمُ} واذكر وقت قوله هَذَا، ليَرَوا كيف تبرَّأ عَن التقليد، وتمسَّك بالدليل؛ أو لِيقلِّدوه إن لم يكن لَهُم بدٌّ مِنَ التقليد، لأَنَّهُ مشروع تقليده وأمثالِه، ﴿لأبيه وقومه: إِنَّنِي بَراءٌ﴾ أي: بريء ﴿مِمَّا تعبدُونَ(26)﴾ بريء من عبادتكم ومعبودكم. ﴿إِلاَّ الذِي فطَرَني﴾ أي: إِنَّنِي بَرَاء من آلهة تعبدونها غير الذِي فطرني، ﴿فَإِنَّهُ سَيهدِينِ(27)﴾ سيثبِّتني عَلَى الهداية، أو سيهديني إِلىَ مَا وراء مَا هداني. ﴿وجعلها﴾ وجعل إبراهيمُ أو اللهُ كَلمةَ التوحيد ﴿كلمةً باقيةً فيِ عَقِبهِ﴾ فيِ ذُرِّيَّته، فيكون فِيهِم أبدا من يوحِّد الله، ويدعو إِلىَ توحيده، ﴿لَعَلَّهُم يرجعُونَ(28)﴾ يرجع من أشرك بدعاء من وحَّد.
﴿بَل متَّعتُ هؤلاءِ وآباءهم﴾ بالمَدِّ فيِ العمر والنعمة، فاغتَرُّوا بذَلِك وانهمَكوا فيِ الشهوات ﴿حَتَّى جاءهُم الحَقُّ﴾ دعوة التوحيد أو القرآن، ﴿ورسولٌ مُبِينٌ(29)﴾ ظاهر الرسالة بِمَا لَهُ مِنَ المعجزات، أو مبيِّن للتوحيد بالحُجج والآيات. ﴿وَلَمَّا جاءهم الحَقُّ قَالُوا: هَذَا سحرٌ﴾ كذب مختلق، ﴿وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ(30)﴾ مكذِّبون.
﴿وَقَالُوا لولا نُزِّل هَذَا القرآنُ عَلَى رجلٍ مِنَ القريتينِ﴾ من إحدى القريتين ﴿عظيم(31)﴾ بالجاه والمال أو الجسم، فَإِنَّ الرسالة مَنصب عظيم لاَ يليق إِلاَّ لعظيم، ولم يعلموا أَنَّهَا رتبة روحانيَّة تستدعي عظم النفس بالتحلِّي بالفضائل، والتخلِّي عَن الرذائل، لاَ بالزخارف الدنيويَّة، وذَلِك من عِظم مَا بهم مِنَ الكبر والحسد.
{