سورة الأحقاف
الجزء ٤ · صفحة ١٤٠قل: أرأيتُم مَّا تَدْعُون من دون الله، أروني ماذا خَلَقوا مِنَ الأَرْض، أم لَهُم شرك فيِ السَّمَاوَات} أي: أخبروني عَن حال آلهتكم بعد التَّأَمُّل فِيهَا، هل يحتمل أن يكون لها فيِ نفسها مدخل فيِ خلق شيء من أجزاء العالم فتستحقُّ بِهِ العبادة؟ وتخصيص الشرك بالسماوات احتراز عَمَّا يُتوهَّم أنَّ للوسائط شِركة فيِ إيجاد الحوادث السفليَّة، ﴿ائتوني بكتابٍ مِن قَبلِ هَذَا﴾ مِن قَبل القرآن، فَإِنَّهُ ناطق بالتوحيد، ﴿أو أَثَارةٍ من عِلم﴾ أو بقيَّة من علم، (لَعَلَّهُ) بقيت عَلَيْكُم من علوم الأَوَّلين، هل فِيهَا مَا يدلُّ عَلَى جواز عبادة الأصنام، أو الأمر (1) بها؟ ﴿إن كُنتُم صادقِينَ (4)﴾ فيِ دعواكم، وقرئ: «إِثارة» بالكسر، أي: مناظرة، فإنَّ المناظرة تثير المعاني.
﴿ومَن أَضَلُّ مِمَّن يدعو مِن دُونِ اللهِ من لاَ يَستجيبُ لَهُ﴾ إنكار أن يكون أحدٌ أضلَّ مِنَ المشركين حيث تركوا عبادة السميع [551] المجيب، القادر الخبير، إِلىَ عبادة من لاَ يستجيب لَهُم، ولم يسمع دعاءهم، فضلا أن يعلم سرائرهم، ويراعي مصالحهم، ﴿إِلىَ يوم القيامة﴾ مَا دامت الدُّنْيَا (لَعَلَّهُ) وبعد فنائها (2) أحرى أن لاَ يستجيب لَهُ، بَل يكونون لَهُم أعداء، كما قَالَ فيِ الآية الآتية؛ وذَلِك يقتضي كُلَّ مَا أشغله وأغفله وأنساه وتعامى بِهِ، من مال وأهل وصنم وهوى ونفس وشيطان، ﴿وَهُم﴾ (لَعَلَّهُ) يعني الأوثان ﴿عَن دعائهم غافلُونَ (5)﴾ لأَنَّهُم إِمَّا جمادات، وَإمَّا عباد مُسخَّرون مُشتغلون بأحوالهم، لاَ يسمعون وَلاَ يفهمون. ﴿وإذا حُشِرَ الناسُ كَانُوا لَهُم أعداءً﴾ يضرُّونهم وَلاَ يَنفعونهم، ﴿وكَانُوا بعبادتهم كَافِرِينَ (6)﴾ مُكذِّبين بلسان الحال أو المقال.
{
(1) - … فيِ الأَصْلِ: «أو للأمر»، ولا مَعْنَى للام الجرِّ. والصواب من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص142.
(2) - … في الأصل: «فاءيها … بَل يكونوا»، وفي العبارة خطآنِ.