التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الأحقاف

الجزء ٤ · صفحة ١٤٧

وإذ صَرَفنا إليك نفرا مِّنَ الجنِّ} نُقباء مِنْهُم، ﴿يستمعون القرآنَ؛ فَلَمَّا حضروه، قَالُوا: أنصتوا﴾ قَالَ بعضهم لبعض: اسكتوا (1) لنسمعه؛ ومعنى الإنصات: الإقبال إِلَيْهِ بالقلوب الفارغة مِنَ العلل، لتنكشف لها حقيقته؛ ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ أي: كَمُل، و (لَعَلَّهُ) استمعوه من أَوَّلهُ إِلىَ آخره، لتقوم الحُجَّة عَلَيْهِم وعَلَى قومهم، لأَنَّهُم متعبّدون بما فِيهِ؛ وَلَعَلَّ الجنَّ يتلقَّفون العلم مِنَ الإنس بهذا الدليل؛ وجاز مِنْهُم أن يستمعوا التأويل [554] والسنَّة، كما استمعوا مِنْهُ التنزيل، لأَنَّ التنزيل لاَ يُغنيهم عَن السنَّة، وإذا جاز أن يسمعوا التأويل مِنَ الرسول، جاز أن يستمعوه مِنَ العلماء المحقِّين، ﴿وَلَّوا إِلىَ قومهم منذِرِينَ (29)﴾.

﴿قَالُوا: يا قومنا إِنَّا سمعنا كِتَابًا أُنزِل من بعد موسى، مصدِّقا لِمَا بين يَديه، يهدي إِلىَ الحَقِّ وإلى طريقٍ مُسْتَقِيم (30)﴾ (لَعَلَّهُ) قيل: كَانَ دينهم اليهوديَّة، لأَنَّهُم ذكروا موسى ولم يذكروا عيسى. ﴿يا قومَنا، أَجيبوا دَاعيَ الله، وآمَنُوا بِهِ يَغْفِرْ لكم من ذنوبكم ويُجِرْكم من عذاب أليم (31) ومن لاَ يُجِبْ داعيَ الله فليس بِمعجِزٍ فيِ الأَرْض﴾ إذ لاَ يُنْجي مِنْهُ مَهْرَب، ﴿وليس لَهُ من دونه أولياءَ، أُولَئِكَ فيِ ضلال مُبِينٍ (32)﴾ حيث أَعرضُوا عَن إجابة مَن هَذَا شأنه.

﴿أولَم يروا أنَّ الله الذِي خلقَ السَّمَاوَات والأَرْض ولم يَعيَ بِخلقهنَّ﴾ ولم يتعب ولم يعجز؛ والمعنى: أنَّ قدرتَه واجبة، لاَ تنقص وَلاَ تنقطع بالإيجاد، ﴿بقَادرٍ عَلَى أن يُحيِيَ الموتى؟ بلى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شيء قدير (33)﴾.

﴿ويوم يُعرَض الذِينَ كَفَرُوا عَلَى النار، أليس هَذَا بِالْحَقِّ﴾؟ والإشارة إِلىَ العذاب، ﴿قَالُوا: بلى ورَبِّنَا؛ قَالَ: فذوقوا العذاب بِمَا كُنتُم تكفرُونَ (34)﴾ بكفركم فيِ الدُّنْيَا.

{

(1) - … في الأصل: «استكوا»، وهو خطأ.

١٬٣٠٩ / ١٬٥٨٨