التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الفتح

الجزء ٤ · صفحة ١٦٣

لَقَد صدقَ اللهُ رسولَه الرؤيا بِالْحَقِّ} مُلتبسا بِهِ، فإنَّ مَا رآه كائن لاَ محالة فيِ وقته المقدَّر لَهُ، ﴿لتدخلُنَّ المسجدَ الحرام إن شاءَ اللهُ آمِنين، مُحلِّقين رءوسكم ومقصِّرين﴾ أي: محلِّقا بعضُكم، ومقصِّرا آخرون، ﴿لاَ تخافون﴾ بعد ذَلِكَ، ﴿فَعلِم مَا لم تعلموا﴾ مِنَ الحكمة فيِ تأخير ذَلِكَ، ﴿فجعل مِن دون ذَلِكَ﴾ مِن دخولكم المسجد، أو فتح مكَّة ﴿فتحا قريبا(27)﴾.

﴿هُوَ الذِي أرسلَ رسولَه بالهُدَى ودينِ الحَقِّ ليُظهِرَه عَلَى الدِّينِ كلِّه﴾ فلم يبق مِن أديان الضلال شيء بين ظهراني المُسْلِمِينَ ظاهرا، ﴿وكفى بالله شهيدا(28) مُحَمَّدٌ رسولُ اللهِ، وَالذِينَ معه أَشِدَّاء عَلَى الكُفَّار رحماءُ بَيْنَهُم﴾ المعنى: أَنَّهُمْ يغلظون عَلَى مَن خالف دينهم، ويتراحمون فيما بَيْنَهُم، ﴿تراهُم رُكَّعا سُجَّدا﴾ ترى أحوالهم الركوع والسجود والانقياد، إشارة إِلىَ الوصف المذكور، ﴿يبتغون فضلا مِنَ الله ورضوانا﴾ الثواب والرضَى، ﴿سيمَاهم فيِ وجوههم مِن أثرِ السجود﴾ أي: علامتهم ظاهرة مِن آثار السجود والإذعان، دون الاستكبار.

﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إِلىَ الوصف المذكور، ﴿مَثَلُهم فيِ التَّوْرَاة﴾ صفتهم العجيبة الشأن المذكورة فِيهَا، ﴿ومَثَلُهم فيِ الإِنجِيل﴾ ذَلِكَ مثلهم فيِ الكتابين ﴿كزَرْعٍ أَخرج شَطأه﴾ فِراخه، ﴿فآزَرَه﴾ فقوَّاه؛ المؤازرة بمعنى: المعاونة، ﴿فاستغلَظَ فاستَوَى عَلَى سُوقِه﴾ فاستقام عَلَى قصبه، ﴿يُعجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ بكثافته وقوَّته وغلظه وحسن منظره؛ وَهُوَ مثلٌ ضربه الله لأصحابه، قَلُّوا فيِ بدء الإسلام، ثُمَّ كثروا واستحكموا، فترقَّى أمرهم بحيث أعجب الناس؛ ﴿ليَغيظَ بهم [562] الكُفَّار﴾ فلم يستطيعوا عَلَى كسر شوكتهم، فبقي الغيظُ مكمنا فيِ القلوب. ﴿وعدَ الله الذِينَ آمَنُوا وعَمِلوا الصَّالِحَات مِنْهُم مَّغفِرَةً وأجرًا عظيما(29)﴾ فإنَّ الكُفَّار لَمَّا سمعوه غاظهم ذَلِكَ.

١٬٣٢٥ / ١٬٥٨٨