التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الذاريات

الجزء ٤ · صفحة ١٩٢

كذلك} أي: الأمر مثل ذَلِكَ؛ والإشارة إِلىَ تكذيبهم الرسول، وتسميتهم إيَّاه ساحرًا أو مَجنونًا، وقولِه: ﴿مَا أتى الذِينَ مِن قبلِهم من رسولٍ [573] إِلاَّ قَالُوا: ساحرٌ أو مجنُونٌ (52) أَتَواصَوْا بِهِ﴾ أي: كأنَّ الأَوَّلين والآخرين أوصى بعضهم بعضا بهذا (1) القول، حتَّى قالوه جميعًا، ﴿بَل هم قوم طاغُونَ (53)﴾ إضراب عَن أنَّ التواصي جامعهم لتباعد أَيَّامهم إِلىَ أنَّ الجامع بَيْنَهُم لهذا القولِ مشاركتُهم فيِ الطغيان الحاصل (2) عليه، وتشابه قلوبهم.

﴿فتولَّ عَنْهُم﴾ فأعرض عَن مجادلتهم بعدما كرَّرت عَلَيْهِمُ الآيات فأبوا إِلاَّ الإصرار والإعراض، ﴿فما أنت بِمَلُومٍ (54)﴾ عَلَى الإعراض بعدما بذلت جهدك فيِ البلاغ. ﴿وذَكِّر﴾ من ترجو مِنْهُ القبول، ﴿فإنَّ الذِّكرَى تنفع المؤمنِينَ (55)﴾ لاَ غيرهم.

﴿وَمَا خَلقتُ الجنَّ والإنسَ إِلاَّ لِيعبدُونِ (56)﴾ إِلاَّ لأجل العبادة، والمعنى فيِ ذَلِكَ أنَّه ليَأْمُرَهم بعبادته وطاعته، ولم يخلقهم ليعصوه، وَلاَ ليعبدوا غيره، جلَّ الله وعزَّ عَن ذَلِكَ، وخلق لَهُمُ القوَّة للطاعة لاَ للمعصية، كما خلقهم للطاعة لا للمعصية، عَلَى معنى الأمر والنهي. ﴿مَا أريد مِنْهُم مِّن رِزقٍ﴾ أي: لاَ أستعين بهم فيِ تحصيل أرزاقهم ومعايشهم، بل أتفضَّل عَلَيْهِم برزقهم وبما يصلحهم.

{

(1) - … في الأصل: «بهذه»، وهو خطأ.

(2) - … فيِ البيضاوي: «الحامل عَلَيْهِ». انظر: ج4/ ص168.

١٬٣٥٤ / ١٬٥٨٨