سورة الحديد
الجزء ٤ · صفحة ٢٤٩مَا كتبناها عليهم} مَا فرضناها عَلَيْهِم ﴿إِلاَّ ابتغاءَ رضوانِ الله﴾ قيل: استثناء منقطع؛ أي: ولكنَّهم ابتدعوها ابتغاء رضوان، أي: ولكنَّهم ابتغوا رضوان الله بتلك الرهبانيَّة، وتلك الرهبانيَّة: مَا حَمَّلوا أنفسهم مِنَ الميثاق فيِ الامتناع مِنَ المطعم والمشرب والملبس والمنكح؛ وقيل: متَّصل، فإنَّ ﴿مَا كتبناها عَلَيْهِم﴾ بمعنى: مَا تعبَّدناهم بها، وَهُوَ كما ينفي الإيجاب المقصود مِنْهُ دفع العقاب ينفي الندب المقصود مِنْهُ مجرَّد حصول مرضاة الله، وَهُوَ يخالف قوله: ﴿ابتدعوها﴾، إِلاَّ أن [يقال:] ابتدعوها ثُمَّ ندبوا إِلَيْهِا؛ أو ابتدعوها بمعنى: استحدثوها وأتوا بها؛ أو لأَنَّهُم اخترعوها من تلقاء أنفسهم، ﴿فما رَعَوْها﴾ أي: فما رعو [هـ]ـا جميعًا، [598] ﴿حقَّ رِعايتها﴾ لم يُوفُوهَا جميع حقوقها.
﴿فآتينا الذِينَ آمنوا﴾ أَتَوا (1) بالإيمان الصحيح، وحافظوا حقوقها، ومن ذَلِكَ الإيمان بمحمَّد - عليه السلام -، ﴿مِنْهُم﴾ مِنَ المتَّسمين باتِّبَاعه، ﴿أَجرَهم، وكثيرٌ مِّنْهُمْ فاسقُونَ (27)﴾ خارجون عَن حال الاتِّباع.
﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنوا﴾ بالله والرسل المتقدِّمة، وَمَا أتوهم بِهِ، ﴿اتَّقُوا الله﴾ فيما نهاكم عَنْهُ، ﴿وآمنوا برسوله﴾ محمَّد - عليه السلام -، ﴿يُؤتِكم كِفلَيْنِ﴾ نصيبين ﴿من رحمته﴾ لإيمانكم بمن تقدَّمه، ﴿ويَجْعَل لَّكُم نورا تمشون بِهِ﴾ علما تستضيئون بِهِ فيما تعبّدتم، تسلكون بِهِ إِلىَ جنَّات القدُس، ﴿ويَغْفِرْ لكم وَاللهُ غَفُور رحيم (28)﴾.
{
(1) - … فيِ الأَصْلِ: «أوتوا»، والصواب ما أثبتناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص190.