التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة الحديد

الجزء ٤ · صفحة ٢٤٨

لَقَد أرسلنا رُسُلَنا بِالبَيِّنَاتِ، وأنزلنا معهم الكتابَ والميزانَ ليقومَ الناسُ بالقسط} (1) ليتعاملوا بَيْنَهُم بالعدل، وإنزالُه إنزالُ أسبابه، والأمر بإعداده؛ ويجوز أن يُراد بِهِ: العدل لتقامَ بِهِ السياسة، ويُدفع بِهِ الأعداء، كما قَالَ: ﴿وأنزلنا الحديدَ فِيهِ بأسٌ شديدٌ﴾ فإنَّ آلات الحروب مُتَّخَذة مِنْهُ، ﴿ومنافعُ للناس، ولِيَعْلَمَ اللهُ من يَنصُرُهُ وَرُسُلَه﴾ باستعمال الأسلحة والعُدَدِ والمُهجِ ﴿بالغيب، إِنَّ اللهَ قويٌّ﴾ عَلَى إهلاك من أَرَادَ إهلاكه ﴿عزيز (25)﴾ لاَ يفتقر إِلىَ نصرة؛ وإنَّما أمرهم بالجهاد لينتفعوا بِهِ، ويستوجبوا ثواب الامتثال.

﴿وَلَقَد أرسلنا نوحًا وإبراهيمَ وجعلنا فيِ ذرِّيَّتِهما النبوَّةَ والكتاب﴾ بِأَن استَنبَأنَاهُم، وأوحينا إِلَيْهِم الكتاب؛ وقيل: المراد بالكتاب: الخطُّ، ﴿فمنهم﴾ فمن الذُرِّيَّة، أو مِنَ المُرسَل إِلَيْهِم؛ ﴿مُهتَدٍ، وكثيرٌ مِنْهُم فاسقُونَ (26)﴾ خارجون عَن الطريق المُسْتَقِيم، والعدول عَن سنن الإسلام، مبالغة فيِ الذمِّ، والدلالة عَلَى [أَنَّ] الغلبة للضلال.

﴿ثُمَّ قَفَّينا عَلَى آثارهم بِرُسُلنا وقفَّينا بعيسى ابنِ مَرْيَمَ﴾ أي: أرسلنا رسولا بعد رسول، حتَّى انتهى إِلىَ عيسى، ﴿وآتيناه الإِنجِيلَ، وجعلنا فيِ قلوبِ الذِينَ اتَّبعوه رأفةً ورحمة﴾ (لَعَلَّهُ) لأهل الإيمان، ﴿ورهبانيَّة﴾ أي: وابتدعوا رهبانيَّة جاؤوا بها من قِبَل أنفسهم ﴿ابتدعوها﴾ أو رهبانيَّة مُبتدَعة عَلَى أنَّها مِنَ المجعولات، وهي المبالغة فيِ العبادة والرياضة والانقطاع عَن الناس، منسوبة إِلىَ الرَّهبان (2)، وَهُوَ المبالِغ فيِ الخوف، من رَهَبَ.

{

(1) - … في الأصل: - ﴿والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾.

(2) - … «فَعلان، مِن رهب، كخشيان من خشيَ». أبو السعود: تفسير، مج4/ ج8/ ص213.

١٬٤١٠ / ١٬٥٨٨