سورة الحشر
الجزء ٤ · صفحة ٢٦٣ولا تكونوا كالذين نَسُوا اللهَ} أي: تركوا ما تعبَّدهم الله به، ﴿فأنساهم أنفسَهم﴾ الروحانيَّة فهمُّوا بالنفس الجسمانيَّة، فجعلهم ناسين لها، حتَّى لم يسمعوا ما ينفعها، ولم يفعلوا ما يخلِّصها ولم يجنِّبوها ما يضرُّها ويهلكها، ولا يخالف هذا قوله: ﴿قد أهمَّتهم أنفسهم﴾ (1)، لأنَّه أراد بهذه النفسِ في هذا الموضع: النفسَ الجسمانيَّة، ﴿أولئك هم الفاسقون (19)﴾ الخارجون من تزكية الأنفس عن الرذائل.
﴿لا يستوي أصحابُ النارِ وأصحابُ الجَنَّة﴾ الذين استكملوا أنفسهم، فاستأهلوا الجنَّة، والذين استمهنوها فاستحقُّوا النار ﴿أصحابُ الجَنَّة هم الفائزون (20)﴾ بالنعيم المقيم.
﴿لو أنزلنا هذا القرآنَ على جبل﴾ وكان مركَّبا فيه عقل، ﴿لَرَأيتَه﴾ تمثيل وتخييُّل كما مَرَّ في قوله: ﴿إنَّا عرضنا الأمانة﴾ (2) ولذلك عقَّبه بقوله: ﴿خاشعا﴾ (لَعَلَّهُ) متواضعا قد وضعَتْه عن التكبُّر آياتُ القرآن ﴿مُتصدِّعًا مِّنْ خشيةِ الله﴾ (لَعَلَّهُ) من عذابه وعقوبته إن لم يمتثل لِمَا في القرآن، فإنَّ الإشارة إليه وإلى أمثاله؛ والمراد: توبيخ الإنسان على عدم تخشُّعه عند تلاوة القرآن، لقساوة قلبه، وَقِلَّة تدبُّره، والتصدُّع: التشقُّق. ﴿وتلك الأمثالُ نضربها للنَّاس لَعَلَّهُمْ يتفكَّرون (21)﴾ أنَّه:
﴿هو اللهُ الذي لا إله إِلاَّ هوعالِمُ الغيبِ﴾ ما غاب عن العباد علمه؛ ﴿والشهادةِ﴾: ما شاهدوه وعاينوه، ﴿هو الرحمنُ الرحيم (22)﴾ ما غاب عن الحسِّ من الجواهر القدسيَّة وأحوالها، وما حضر له من الأجرام وأعراضها، وتقدُّم الغيب لتقدُّمه في الوجود، وتعلُّقِ العلم القديم به؛ أو المعدوم والموجود؛ أو السرُّ والعلانيَّة؛ أو الآخرة والدنيا، كقوله: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ (3).
{
(1) - … سورة آل عمران: 154.
(2) - … سورة الأحزاب: 72. انظر: ج3/ ص 312.
(3) - … سورة البقرة: 3.