سورة المدثر
الجزء ٤ · صفحة ٣٢٨إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18)} تعليل للوعيد، أو بيان للعناد؛ والمعنى: فكَّر فيما يُخيَّل طعنا فيِ القرآن، وقدَّر فيِ نفسه مَا يقول فِيهِ، ﴿فقُتِل كيف قَدَّرَ (19)﴾ تعجُّب من تقديره استهزاء بِهِ، ﴿ثم قُتل كيف قدَّر (20)﴾ تكرير للمبالغة ﴿ثُمَّ نَظَر (21)﴾ قيل: فيِ أمر القرآن مرَّة بعد أُخْرَى، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22)﴾ قطَّب وجهه لَمَّا لم يجد فِيهِ طعنًا، ولم يدر مَا يقول، ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ عَن الحَقِّ، ﴿واستكبر (23)﴾ عَن اتِّبَاعه، ﴿فقال: إِنْ هَذَا إِلاَّ سحرٌ يُؤْثَرُ (24)﴾ يُروَى ويُتعلَّم، ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ (28)﴾ لاَ تُبقى عَلَى شيء يلقى فِيهَا وَلاَ تدعه حتَّى يهلك، لأَنَّ طبعها الإذهاب لِمَا يلقى فِيهَا، إِلاَّ من أدخل للتعذيب، فإنَّه مخلَّد فِيهَا، ﴿لوَّاحة للبشر (29) عليها تسعَةَ [636] عَشَرَ (30)﴾ ملكا، أو صنفًا مِنَ المَلاَئِكَة يَلُون أمرها.
﴿وَمَا جعلنا أصحاب النار إِلاَّ مَلاَئِكَةً﴾ ليخالفوا جنس المعذَّبين، فلا يرقُّوا لَهُم، وَلاَ يستروحون إِلَيْهِم؛ ولأنَّهم أقوى الخلق بأسًا وأشدُّهم غضبًا لله، ﴿وَمَا جعلنا عِدَّتَهم إِلاَّ فتنةً للذين كَفَرُوا﴾ وَمَا جعلنا عددهم إِلاَّ العدد الذِي اقتضى فتنتهم، وَهُوَ التسعة عشر، فعبَّر بالأثر (1) عَن المؤثِّر تنبيها عَلَى أنَّه لاَ ينفكُّ مِنْهُ؛ وافتتانهم بِهِ: استقلالهم لَهُ، واستهزاؤهم بِهِ، واستبعادهم أن يتولَّى هَذَا العدد القليل تعذيبَ أكثر الثَّقلين.
{
(1) - … فيِ الأَصْلِ: «الأمر»، وصحَّحناه من البيضاوي: تفسير، ج4/ ص230.