سورة الإنسان
الجزء ٤ · صفحة ٣٣٩إِنَّا خَلَقْنَا الإنسانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} أخلاط، لأَنَّ المراد بها مجموع مَنيِّ الرجل والمرأة، وكلٌّ منهما مُختلفة الأجزاء فيِ الرقَّة والقوام والخواصِّ؛ ولذلك يصير كلُّ جزء منهما مادَّة عضو، ﴿نَّبْتَلِيهِ﴾ أي: مبتلين لَهُ، مريدين اختباره، ﴿فجعلناه سميعا بصيرا (2)﴾ ليتمكَّن من مشاهدة الدلائل، واستماع الآيات، ﴿إِنَّا هديناه﴾ بنصب (لَعَلَّهُ) الدلائِل، وإنزال الآيات، وإزاحة العلل، (لأَنَّهُ لا يترك متعبداً من خلقه لطاعته وعبادته سدى، وَإِنَّهُ لاَ بُدَّ أن يهديه هداية، إن شاء يهديه بها، أو هداية يشقيه ويقيم عليه بها الحُجَّة، ولن تكون إِلاَّ كذلك) (1)، ﴿السبيلَ﴾ الذِي لأجله خُلق، ﴿إِمَّا شَاكِرا﴾ سالكا السبيل الذِي هداه إيَّاه، ﴿وإمَّا كَفورا (3)﴾ صادًّا عَنْهُ إِلىَ الضلال، بعدما مُكِّن من ذا وذا؛ ثُمَّ توعَّد عَلَى من اختار الضلال على الهدى، فقال:
﴿إِنَّا أعتدنا للكَافِرِينَ سَلاَسِلاً﴾ بها يسحبون، ﴿وأغلالاً﴾ بها يقيَّدون ﴿وسعيرا (4)﴾ بها يُحرقون، ﴿إنَّ الأبرارَ يَشربون من كأسٍ﴾ من خمر، وهي فيِ الأصل القدح، تكون فِيهِ، وتخلق فِيهِ، ﴿كَانَ مزاجها﴾ ما يمزج بها ﴿كافورا (5)﴾ لبرده وعذوبته وطيب عرفه؛ وقيل: اسم ماء فيِ الجنَّة، يشبه الكافور فيِ رائحته وبياضه، ويخلق فِيهَا كيفيات الكافور، فيكون كالممزوجة بها، ﴿عينا﴾ بدل من «كافورًا» إن جعل اسم ماء، ومن محلِّ «مِن كأسٍ» عَلَى تقدير مضاف، أي: ماء عين، ﴿يَشرب بها عبادُ اللهِ﴾ أي: ملتذًّا، أو ممزوجا بها؛ وعباد الله: الذِينَ عبدوه بالإخلاص لا غير، ﴿يفجِّرونها تَفْجِيرًا (6)﴾ يجرونها بها (2) حيث شاءوا إجراء سهلاً.
{
(1) - … كتبت العبارة التي بين قوسين في الحاشية، دون الإحالة إليها فيِ المتن، وقد وضعناها في هَذَا المكان لتناسب السياق.
(2) - … الصواب - «بها». كما فيِ البيضاوي: تفسير، ج4/ ص234.