185
الجزء ٣ · صفحة ٢٨٣أَو الخطاب لمن يحضرها ولما يوجد ، وفى الوجهين اعتبار أَن من وجد ومن سيوجد كفرد واحد ﴿ إِلاَّ بَغْتَةً ﴾ فجأَة على غفلة ، روى الطبرى فى مرسل قتادة وهو فى البخارى ومسلم عن أَبى هريرة عنه A « أَن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه » و يروى : يلوط حوضه . والردل يسقى ماشيته ، والرجل يقوم أَو يقم سلعته فى سوقه ، وفى رواية إِسقاط فى سوقه ، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه ، ويروى : الرجل يرفع لقمته إِلى فيه ، وجاءَ مرفوعاً أَيضاً ، أَنها تقوم والرجلان ينشران ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ، وقد انصرف الرجل بلبن ناقته فلا يطعمه . وجاءَ أَيضاً مرفوعاً : إِنما أَجلكم فيمن مضى قبلكم من الأُمم من صلاة العصر إِلى غروب الشمس ، وجاءَ أَيضاً : بعثت أَنا والساعة كهاتين . وأَشار بالسبابة والوسطى ﴿ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ﴾ أَى كثير الاستقصاء عنها بالسؤال حتى أَدركت معرفة وقتها ، ويلزم من كثرة الاستقصاء عن الشئ وإِدراكه ، ولذلك تراهم يفسرون حفى بعليم ، وعن على ظاهرها متعلقة بحفى لأَن المعنى السؤال عنها أَو البحث عنها أَو الكشف عنها ، أَو متعلقة بيسأَل أَو بمعنى الباء أَى عليم بها . ويجوز تعليقها بيسأَل ، ويقدر مثله لحفى عن التنازع ، وجاز هذا مع أَن المهمل يعمل فى ضمير المتنازع فيه ، والضمير لا يعود إِلى الضمير ، لأَن اتحاد معنى الضميرين يسيغ ذلك ، كما تقول أَنا أَقوم ، وأَنت تقوم فتربط الخبر بضمير هو نفس المبتدأ ثم إِنه قدم يقال بجواز عود ضمير لآخر مستحق للتقديم أَو متأَخر كالتنازع إِذا أَعمل المتأَخر أَو يعلق بيسأَل ، ويقدر كأَنك حفى فيها ، وسؤالهم إِنكار أَو استهزاء أَو تعجيز ، أَو ظن منهم أَنه يعلمها كما قيل أَنه من الحفاوة ، بمعنى الشفقة ، وأَن قريشاً قالوا : إِن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة!! أَى كأَنك تشفق عليهم فتخصهم بالإِخبار عنها لقرابتهم ، ولكن مثل ذلك قد يقوله المستهزئ والمستعجز فجاءَت الآية على طبق كلامهم ، وقيل حفى بمعنى فرح وعنها متعلق بيسأَل ، أَو كأَنك تفرح بالسؤال عنها مع أَنك تكرهه لأَنه من الغيب الذى لا يخبر الله أَحداً به ، أَو كأَنك صديق لهم ، وهم أَعداؤك ، وأَنت عدو لهم لكفرهم ، وجملة كأَنك حفى فى جميع الأَوجه حال من الكاف ، ولما كان المراد يسأَلونك عن الساعة أَيان مرساها كأَنك حفى عنها ، وفصل بما يناسب أَعاد لفظ السؤال ، ولذلك اكتفى بذكر الساعة هناك عن ذكرها هنا وفى ذلك نوع إِجمال فكرر الجواب مجملا بقوله ﴿ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ ﴾ كرره متابعة لتكرر يسأَلونك وتأكيداً وإِشعاراً بالعلة ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أَنه اختص الله بعملها ، ولا يخبر بها أَحداً على التعيين بأَنها عقب مائة عام ، أَو عقب أَلف ، أَو بعد أَلف وثلاثمائة ، أَو عقب أَلف وخمسمائة عام ، ونحو ذلك ، والإِخبار بعلامات قربها ليس إِخباراً بعينها ، وذلك الإِخفاء أَدعى إِلى الانزجار ، والإِخبار بعلامة قربها أَدعى لحاضر علامتها إِلى التوبة .