تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

37

الجزء ٣ · صفحة ٤٤٣

وليست نصرته متوقفة عليكم ، وهى واقعة لا محالة ، وإِذا قال الله D إِن لم تفعلوا كذا كان كذا وقد قضى الله أَن يفعلوا ونحو ذلك ، وقضاؤه لا يتخلف ولا يخفى عنه ما يكون وما لا يكون فمعناه احذوار ، وما يدريكم بما عند الله ، وبنى الله تعالى الخلق كله ، بعضه بلا ترتيب على شىءٍ وبلا سبب ، وبعضه على ترتيب وتسبب ، ويقول إِن لم تفعلوا كذا كان ، ولو علم أَنهم يفعلون ، ويقول : إن فعلتم ولو علم أَنهم لا يفعلون ﴿ وَلاَ تَضَرُّوهُ ﴾ بترك نصره ﴿ شَيْئاً ﴾ ضَرًّا ما ، ونصره واقع لا محالة والهاءُ لرسول الله A ، ويدل له « إِلا تنصروه فقد نصره الله إِذ أَخرجه الذين كفروا » وقيل للذين المدلول عليه بالمقام ، والأَول أَولى لأَنه المذكور ولأَنه أَنسب بمتعلق الضر نفياً أَو ثبوتاً ، وعدم مضرته عدم مضرة دينه ، أَو لله وهو أَولى ، إِلا أَنه يرجع إِلى القول الثانى لأَن الله لا يتضرر بشىءٍ ، فالمراد لا تضروا دينه ﴿ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فهو قادر على نصره ونصر دينه ولو بلا واسطة ، وعلى استبدال ، وزاد تأْكيداً وزجراً عن الكسل بقوله : ﴿ إِلاَّ تَنْصُرُوهَ ﴾ إِن لا تنصروه ﴿ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ ﴾ تعليل للجواب المحذوف ، أَى فالله ينصره أَو فسينصره ، أَو فلن يخذله لأَن الله قد نصره ، لأَن الله قد قضى نصره فيما مضى ، والنصرة لو كانت لا توجب نصرة بعدها إِلا أَن الله فعال لما يريد ، إِلا أَن الكلام يحمل على عوائد كرمه وعلى استصحاب كرمه ، والقياس عليه والخطاب للمتثاقلين ، والهاءُ للنبى A وإِنما لم نجعل قد نصره جواباً لأَن نصره السابق أَو الوعد بنصره اللاحق لا يتوقف على عدم نصرهم إِياه ، ولأَن سابق لا يكون جواباً مستقبلا والجواب مستقبل ﴿ إِذْ ﴾ متعلق بنصر ﴿ أَخْرَجَهُ ﴾ أهل مكة ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ضيقوا عليه حتى خرج لأَنه سمع عنهم ما ذكر الله بقوله D « وإِذ يمكر بك الذين كفروا » إِلخ ، فذكر المسبب وهو الإِخراج والمراد السبب ، وهو التضييق وما خرج إِلا بأَمر الله ﴿ ثَانِىَ اثْنَيْنِ ﴾ والآخر الصديق إِجماعا رضى الله عنه لا ثالث لهما من الناس ، فكيف لا ينصره الآن ومعه جنود من الناس ، وهذا بحسب العادة ، والأَمر سواءٌ عند الله ، أَو المعنى نصره حين أَخرجوه لأَنه ما أُذن له بالخروج إِلا لينصره من خارج مكة ، والخروج إِنما هو للنصرة فكيف تتخلف ، والمراد بعض اثنين لأَنه أَضيف لما هو من مادته لا لما تحته نحو ثالث اثنين ﴿ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ ﴾ إذ بلد من الأُولى بدل مطابق بأَن نجعل وقت الخروج والذهاب إِلى الغار واللبث فيه واحداً ، لا بدل بعض لعدم الرابط ولا تعد هذا منه أَو من ذلك الوقت ربط بالضمير فى منه عائداً إِلى إِذا ، وبالإِشارة لأَنه لم يسمع عود الضمير أَو الإِشارة إِلى إذ مع ضعف رجوع الضمير من الجملة إِلى الظرف المضاف إِليها ، وهو غار أَعلى ثور بفتح المثلثة وإِسكان الوار وهو جبل في يمين مكة ، ويمينها الجنوب ، وهو على سير ساعة من مكة ، دخله الصديق قبله A ، ليلاقى هو ما فيه من ضر ، ثم لما دخله سد جحره بثوبه خرقا وبقى جحرة فسدها بقدمه فنهشته حية ، ولما جاءَ أَجل موته انبعث عليه سهما فمات به ليكون قد مات موت شهيد ، وشهر أَنه انبعث إِليه سم أَكله فى طعام مع رسول الله A ﴿ إِذْ ﴾ بدل من الثانية أَو من الأُولى على جواز الإِبدال من البدل أَو تعدد البدل ، وعلى المنع يقدر له اذكر أَو يقدر له نصر لا على طريق البدل ، أَو يعلق إِذ الثانية بثانى لكن بضعف ، قيل : لإِيهلامه تطفله A على الصديق فى اللبث فى الغار ومقدماته من تقدم الصديق بالدخول للتمهيد فيه واختبار هل فيه من دابة وليس كذلك ، فإن معنى ثانى اثنين بعض اثنين ، والإِخبار بأَنه ثان فى الغار لا يوجب أَن لا يكون ثاينا فى الذهاب إِليه ، بل لا مانعاً من معنى قولك إِنه ثان لتكريمه بتقدم الصديق لإِصلاح الغار ، وما دخل A إِلا بعد إِضلاح الغار بخرق الثوب وبالقدم ﴿ يَقُولُ ﴾ A ﴿ لِصَاحِبِهِ ﴾ أَبى بكر الصديق رضى الله عنه ، إِذ قلق وحزن وقال : إِن مت أَنا : مات رجل واحد ، وإن مت أَنت مات الدين وهلكت الأُمة ، وقال : لو نظر أَحد تحت قدمه أَى جعل خده فى موضعها لأَبضرنا ، أَو طلعوا فوق الغار فلو نظر أَسفله لأَبصرنا ، ويروى أَن أَحد الفتيان المتبعين بال فى مقابلة الغار ، فقال الصديق رضى الله عنه : يرانا .

١٬٤٤٣ / ٦٬٠٩٣