تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

111

الجزء ٥ · صفحة ١٧٦

﴿ يَوْمَ ﴾ يوم القيامة ﴿ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا ﴾ يوم متعلق برحيم ، أو يقدر لذكر يوم الخ لنفسك لتتسلى ، ولهم ليرتدعوا عن الشر ، ومعنى خصام النفس عن نفسها خصام المعنى القائم بالجسم من الروح والإدراك عن بدنه ، ولا يحسن أن يقال النفس الأولى للذات ، فإِن البدن لا يجادل ، بل المعنى الحى الناطق ، وعبارة بعض النفس الأولى مجموع الذات ، وصاحبها يوم يأتى كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيرها من ولد أو والد أو قريب أو صاحب ، تزفر جهنم فيخر كل حى على الأرض حتى الملائكة على ركبهم ، ويقول الخليل وغيره : رب لا أسألك إِلا نفسى .

ويروى إِلا سيدنا محمدا A فإنه يقول : أمتى أمتى ، وعبارة بعض : النفس الأولى ذات الإنسان وحقيقته ، والثانية بدنه ، وعبارة بعض أن الأولى الشخص بأجزائه ، فالأجزاء فيه ملحوظة ، والثانية ما يؤكد به ، ويدل على حقيقة الشئ وهويته ، والأجزاء فيها غير ملحوظة ، فمعنى كل نفس كل أحد ، والتحقيق ما ذكرته أولا ، ثم رأيت ما أشار إليه إذ قال : الأولى الروح ، والثانية البدن ، والمجادل المدرك وهو الروح لا البدن ، وقيل : الثانية الأولى أعيدت لئلا يعمل عامل فى ضميرين لواحد؛ والأصل تجادل عنها ، وأنت خبير أن ذلك العمل غير ممنوع إذا كان أحد الضميرين بالحرف نحو : ﴿ وهُزِّى إِليكِ ﴾ والمفاعلة هنا للمبالغة أى تخاصم عن نفسها خصامًا شديدًا إلا للمبالغة ، وعن المجاوزة ، لأنها تميل عمن يضرها ، وتعرض عنه ، لا كما قيل إنها للابتداء . أما جدال الكفار فمثل قولهم : هؤلاء أضلونا وما كنا مشركين ، ربنا أطعنا سادتنا ، وأما جدال الأبرار فمثل ابتليتنا بالمرض والفقر ، ويا ربنا منعونا عن الخير ، وقيل : إنما يعتذر الكفار ، ورد بعموم كل نفس ، والأصل حمل اللفظ على ظاهره ما لم يتعين التأويل بدليل .

وكذا فى قوله : ﴿ وَتُوَفَّى كَلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾ من شر أو خير ، والمقصود الجزاء ، فسمى باسم سببه وهو العمل ، وهو ملزومه ، وذلك لكمال الاتصال بين الجزاء والعمل ، وأظهر ولم يقل : وتوفى ما عملت بالإضمار لزيادة التقرير للإيذان باختلاف وقتى المجادلة والتوجيه إذ لا خصوصية للظاهر ، ولا للضمير بذلك الاختلاف .

﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ لا ينقص من ثواب المؤمن ، ولا يزاد على الكافر ما لم يعمل ، ومن عمله ما أمر به غيره من شر ، أو نهى عنه من خير ، ويناسب العموم أنه ذكر قبل ذلك المؤمنين والكافرين ، فلا حاجة إِلى دعوى أن المؤمن لا يعتذر ، والاعتذار فى موطن من مواطن القيامة ، والمنع منه فى موطن آخر ، فلا منافاة بين آية إِثبات الاعتذار من الكفار مثلا ، وآية نفيه قال عكرمة : وهو عبد من سبى المغرب اشتراه ابن عباس أو أهدى إليه فأعتقه .

٢٬١٧٦ / ٦٬٠٩٣