تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

123

الجزء ٥ · صفحة ١٩٠

﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ يا محمد ، ثم لتراخى الرتبة ، كما أن تراخى الزمان موجود ، وذلك الموحى إلى سيدنا محمد A أفضل ما أوحى الله ، وهذا تعظيم له A ، ويجوز أن يكون تعظيما لسيدنا إبراهيم ، إذ أمر سيدنا محمداً باتباعه صلى الله وسلم عليهما ، وثم لتراخى هذه الرتبة عن سائر رتب إبراهيم عليه السلام ، ويجوز تعظيمه بجملة هذا الكلام ، وهو الأمر باتباعه ، وتعظيم سيدنا محمد يتم ، وقد وصف الله جل وعلا إبراهيم بتسع خصال ، وأمر الرسول باتباعه وهذا الاتباع عاشره .

وفى ثم هذا إيذان بأن أشرف ما أوتى الخليل وأجلّه اتباع محمد A عليهما له ، فهذا تعظيم لهما معًا ، ولا بأس باتباع الفاضل المفضول ، كما قال : ﴿ فبهداهم اقتده ﴾ وكما يتبع الأنبياء آباءهم إذا كانوا مسلمين ، وهم غير أنبياء ، مع أن هذه الآية غير خارجة عن معنى أوحينا إليك القرآن ، وهو غير مخالف لما عليه إبراهيم وهو المراد فى قوله :

﴿ أَنِ اتّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المْشْرِكِينَ ﴾ والمراد اتباعه فى التوحيد وخصاله وبعض الأشياء ، وقيل : كل ما فى شريعتنا هو فى شريعته ، وهو مبعوث لإحياء شريعة إبراهيم أصولا وفروعا ، وهو قول باطل ، بل فى بعض كما مرّ ، وكالحج بعد أمره باتباعه فى بعض الأشياء فقال : أفعلها كما فعلها إبراهيم ، وذلك وحى من الله سبحانه مستقل ، وخصه بأشياء كثيرة لم تكن فى شرع إبراهيم ، وأمره الله الختان كإبراهيم أو علم A بأن شرع إبراهيم الختان ، ووجد قومه يختتنون ، ولم ينهه الله فجرى عليه .

وأن تفسيرية ، قيل او مصدرية بلا تقدير جار ، أى أوحينا إليك اتباع ملته ، أو بتقديره أى باتباعها ، وفى ذلك تعريض باليهود والنصارى وقريش ، بأنهم مشركون ، فكيف يتوهمون أنهم على دين إبراهيم ، ولا تضاف الملة إلى الله ، بل إلى الأنبياء أو غيرهم من الجمل كاليهود وقد تضاف قليلا إلى المفرد وهو غير نبى أمر الله سبحانه وتعالى رسوله محمداً A باتباع أبيه إبراهيم عليه السلام ، فاتبعه فقال اليهود : لو اتبعه لعمل بالسبت كما عمل إبراهيم ، فكذبهم الله D بقوله :

﴿ إِنّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ وهم اليهود بعد إبراهيم عليه السلام بزمان طويل ، فى زمان موسى عليه السلام ، ولم يكن السبت فى شرع إبراهيم ، بل فى شرعه الجمعة كما فى شرع سيدنا محمد A اختاره الله له ، وهو أفضل الأيام ، لأن فيه خلق آدم ، وهو أفضل الخلق ، وفيه تاب عليه ، وفراغ الخلق والمعظم هو يوم الفراغ ، وهو يوم السرور لا يوم بعده ، لأنه تعالى هو الذى فرغ منه لا نحن فنقول : عبيدنا فيه فلا يصح أن يكون عبداً لنا ، والله لا يعيا ، والله جل وعلا والذى اختاره لنا ، ولم نختره نحن لأنفسنا ، وادخره الله لنا ، وقد أمر الله D به اليهود ، فلم يقبلوه ، وقالوا نحن نوافق ربنا فى ترك العمل إِذ بدأ الخلق فى الأحد ، وأتمه فى يوم الجمعة ، ولم يعمل يوم السبت ، فنحن نجعله عيداً لا نعمل فيه إلا ما لا بد منه .

٢٬١٩٠ / ٦٬٠٩٣